بانتهاء استفتاء مارس 2011 على التعديلات الدستورية التى أقرتها اللجنة التى شكلها المجلس العسكرى، وشهدت تمثيلا إخوانيا فى تشكيلها، دخلت مصر مرحلة جديدة بدا فيها للبعض أن أطراف الصراع قد أصبحوا ثلاثة أطراف، هم: المجلس العسكرى، ويؤازره الإخوان والسلفيون، والطرف الثانى هم الثوار، والطرف الثالث المنتمون لنظام مبارك، الذين دخلوا فى كمون حذر انتهاجا لقاعدة (اعمل نفسك ميت)، وهنا نتوقف لأسئلة المراجعات.

هل مشاركة الثوار فى استفتاء مارس 2011 كانت خطأ وكان الأفضل إعلان المقاطعة؟


لم يكن من الممكن إعلان المقاطعة فى أول استحقاق انتخابى عقب الثورة التى كان من أهدافها توسيع المشاركة السياسية وتشجيع الجماهير على الاهتمام بالشأن العام، لذلك لم يجرؤ أحد على الدعوة للمقاطعة، ورغم أن المؤشرات المبدئية كانت تشير إلى أن النتيجة ستكون تمرير هذه التعديلات بالموافقة، فإن نسبة التصويت بنعم ارتفعت إلى 14 مليونا مقابل 4 ملايين صوتوا بلا تقريبا، بعد الحشد الدينى الذى سلم به الإخوان والسلفيون أوراق اعتمادهم للمجلس العسكرى، ومن المفارقات العجيبة أن طرفين اعتبروا هذا انتصارا لهما وتصويتا عليهما، وهما المجلس العسكرى الذى اعتبر نتيجة الاستفتاء اعترافا بشرعيته واستمراره فى الحكم وتأييد خطواته، ثم جماعة الإخوان التى اعتبرت أن الشعب قد اختار الإسلاميين بعد أن حولوا التصويت إلى تصويت على الدين ودفاع عن الشريعة فى أسوأ استقطاب سياسى مبنى على الموقف من الدين، ولم تنجح إعلانات النخبة المدنية فى الصحف والتليفزيون فى إقناع عدد كبير بالتصويت بلا، وخرج الثوار من هذه المعركة وهم لا يدركون أن المصائب ستتوالى بعد أن مهد الإخوان الطريق لمتاهات قادمة دفع ثمنها الجميع (تخيل لو اصطف الإخوان حينها مع الثوار، واتفقوا على خارطة طريق متكاملة تحقق أهداف الثورة وتطهير المؤسسات، وبدء التحول الديمقراطى الحقيقى، كيف كان المشهد سيصبح حينها؟)


هل أخفق الثوار فى توحيد صفوفهم وبناء تنظيماتهم الحزبية؟


أحد أكبر خطايانا التى ارتكبناها عقب الثورة وعقب كارثة استفتاء مارس المشئوم أننا تفرقنا فى كل اتجاه، لنؤسس أحزابا ربما تتطابق أفكارها وأهدافها، ولكنها لم تصبح حزبا واحدا؛ لأن الخلافات الشخصية والسياسية التى كانت قبل ثورة يناير وبعدها منعت تلاقى وتجمع الرموز والأسماء الأشهر من الثوار والتيار المدنى فى حزب واحد، كل واحد فينا خرج بسذاجة وحمق – وأنا أحدهم – يقول من المستحيل أن أعمل مع فلان إنه وإنه... الخ، وكان هناك سبب آخر فى نكستنا الحزبية تمثل فى إحجام البعض من الرموز السياسية عن المشاركة فى تكوين الأحزاب والانضمام إليها، متعللا بأى سبب، ومنتظرا كيف ستصبح التجربة، بالإضافة إلى سيطرة عدد من الكبار سنا على بعض الأحزاب الجديدة، وجعل الشباب مجرد واجهة للوجاهة دون دور حقيقى فى اتخاذ القرار، وأذكر نصيحة – ليتنى شخصيا وعيتها – كانت من رجل أعمال شهير مؤيد للثورة ومعروف بانتمائه الليبرالى حين قال لى: (خلى كل واحد فيكم يلم صحابه ويعمل حزب ومش هتلاقوا حد يمول الأحزاب دى ومن غير فلوس مفيش حزب هيستمر ولا هيوصل للناس وهتبقوا شوية يفط، لو عملتم حزب واحد بس الناس هتتلم عليه ومش هتوه وناس كتير هتيجى تساعدكم وهتقدروا توقفوا مد اليمين الدينى اللى هيكتسح أى انتخابات لو فضلتم بالشكل دا، ولو وصلوا للحكم، البلد هتلف تانى وترجع للناس اللى كانت معاهم واللى قامت عليهم الثورة)، لم أستمع لهذه النصيحة، ولم يستمع غيرى، ورأينا أنه لا يمكن الحكم على التجربة قبل خوضها، ولم نكن نعلم أن الوقت لن يكون فى صالحنا لنجرب ونفشل، بينما الثورة المضادة تحشد قواها وتوحد صفوفها وتستعد للعودة.



لماذا فشلت التجربة الحزبية للثوار ولم تحقق المأمول؟

هذا سؤال ينبغى الإجابة عليه بشىء من التفصيل؛ لأن المشكلة التى يبحث عن أسبابها مازالت قائمة، وهى تفرق الثوار وعدم توحدهم فى تنظيم قوى يتفاعل مع الناس وينقل صوت الثورة، ولذلك أشير للأسباب التالية لفشل التجربة الحزبية الأولى عقب الثورة لكى نتجنبها مستقبلا.


عدم القدرة على العمل الجماعى وغلبة الصراعات الشخصية التافهة التى أفرزتها أمراض النفوس، والتى لم تستطع المنظومة الداخلية تحجميها.


عدم وضوح الهوية السياسية لكل حزب، حيث كانت البرامج متشابهة والأفكار فضفاضة جمعت الناس دون وحدة فكرية، فجمعت الأحزاب مزيجا متنافرا لم تتوحد أفكاره وانحيازاته، فتشتت قواه وانقسم على نفسه.


عدم تعود الناس على الالتزام التنظيمى المطلوب لنجاح بناء أى تنظيم وأدت حالة السيولة الثورية إلى تفسخ التنظيمات الناشئة بسبب اعتقاد البعض أن الالتزام التنظيمى هو نوع من الإجبار والديكتاتورية.


عدم التوازن بين القاهرة والمحافظات فى أشكال الإدارة الحزبية المختلفة، حيث سيطرت العاصمة وشخوصها على النصيب الأكبر بالتوازى مع البحث عن الكم وليس الكيف لضم الأفراد الجدد.


ضعف التمويل الذى ارتبط بتوجهات ومواقف رجال الأعمال الداعمين للأحزاب وفى حالة مخالفة إرادة الحزب وقواعده لاتجاهاتهم يتوقف التمويل بالتوازى مع الفشل فى بناء منظومة تمويل داخلية تعتمد على اشتراكات الأفراد أو إقامة مشروعات يسمح بها القانون للتمويل الذاتى.


تخيل أن الانتماء الثورى وحده كافيا للانتماء الحزبى، وهذا وهم عشناه وعانينا منه حين اكتشفنا حالة التناقض والتباين الرهيب بين أعضاء الحزب الواحد الذين جمع بينهم حب الثورة فقط واختلفوا على كل شىء بعدها.


إحجام رموز سياسية بحجم البرادعى وحمدين صباحى وعبدالمنعم أبوالفتوح وغيرهم عن المشاركة فى تشكيل الاحزاب أو تصدرها فى المرحلة الأولى لتأسيس الأحزاب فى إبريل – أكتوبر 2011 (ثم شكلوا أحزابا عقب انتخابات الرئاسة) فى المرحلة الثانية لتأسيس الأحزاب فى النصف الثانى من 2012، تخيل أن هذه الرموز توحدت وشكلت كيانا واحدا - مؤقتا - هدفه ضمان التحول الديمقراطى وتحقيق أهداف الثورة.


قناعة قطاع من الشباب الثوريين بأن ممارسة السياسة وتكوين الأحزاب ردة عن الثورة وبحث عن المصالح والمغانم ومزايدتهم المستمرة على من قرروا تكوين أحزاب بناء على قناعاتهم بأن الثورة لن تنجح دون تمكين سياسى، وظلت هذه الإشكالية قائمة حتى الآن لتفتح بابا من الانقسام الذى يجب أن نوصده من خلال حوارات ونقاشات تجمع أصحاب الرأيين وتقارب بينهما لتتفق على رأى واحد مفاده أنه لا تعارض بين الفريقين طالما لم يتخل أحد عن المبادئ وسلك الطريق الذى يعتقد أنه يصل لتحقيقها به مع ضرورة التنسيق الكامل بين الاثنين وتوزيع الأدوار فى إطار التكامل وعدم المزايدة المتبادلة ولا تحقير أحد الطرفين للآخر.


عناصر التفجير الداخلى التى تم دسها فى أغلب الأحزاب لإثارة المشاكل والشقاق وتفجير الأحزاب من الداخل استمرارا لنفس إستراتيجية نظام مبارك وقد رأينا كثيرا من هؤلاء وما فعلوه من خراب وتأليب للناس على بعضها البعض بأكاذيب وتحريف وتلفيق


عدم وجود الخبرة الكافية لإدارة تنظيم سياسى واستيعاب تمدده وتوظيف قدرات أفراده بشكل كامل، وهذه خبرة لا شك أنها تتكون مع الوقت وتنضج لتخرج لنا إداريين متشبعين بروح السياسة وسياسيين متشبعين بروح الإدارة، حتى نستطيع أن نبنى التنظيم الفعال بمستوياته المختلفة مع الحفاظ على شبكة الاتصال والتواصل الداخلى التى فى حالة ضعفها تكون سببا فى انهيار البناء التنظيمى وتآكل قدراته




هذا موجز لمراجعة تجربة الثوار الحزبية، ونكمل فى المقال الثالث القادم ما بدأناه من مراجعات

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -