بعد فشل مفاوضات موسكو في التوصُّل لحل سياسي يرأب الصدع، عادت الأزمة السورية مجددًا إلى مربع الصفر، وبات الحل العسكري السبيل الوحيد أمام كلا الطرفين، فالمعارضة السورية كثّفت من تواجدها في مدن عدة، واستطاعت السيطرة على درعا ومناطق في حلب، وفي المقابل صعَّد النظام الأسدي من هجماته الوحشية.
النظام الأسدي لم يجد أمامه سوى تصعيد القصف الجوي بالبراميل، لصدّ اجتياح قوات المعارضة المسلحة، الأمر الذي خلّف وراءه آلاف القتلى والجرحى، وصعّب من الحلول السياسية، وزاد الأزمة تعقيدًا، وباتت الأوضاع أكثر مأساوية.
مجازر النظام
فنظام الأسد لم يجد سبيلاً سوى البراميل المتفجرة، وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن طائرات النظام، شنّت أول من أمس 127 غارة على الأقل، استهدفت مناطق سورية عدة، ونفّذت 3 مجازر في مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي وبلدة جاسم في ريف محافظة درعا ودوما بغوطة دمشق الشرقية.
وقال المرصد على موقعه الإلكتروني: إن طائرات النظام المروحية قصفت بأكثر من 78 برميلاً متفجراً مناطق في مدن وبلدات وقرى بمحافظات ريف دمشق، إدلب، درعا، حلب، اللاذقية وحماة. فيما نفّذت ما لا يقل عن 49 غارة استهدف مناطق في محافظات ريف دمشق، حلب، دير الزور، حماة ودرعا.
وبحسب المرصد، أسفرت غارات الطيران الحربي وقصف البراميل المتفجرة من الطائرات المروحية عن مقتل 51 مدنيًا بينهم 5 أطفال و3 نساء، إضافة لإصابة نحو 110 آخرين بجروح، فيما قتل عدد من مقاتلي المعارضة.
وفتحت قوات النظام نيران رشاشاتها الثقيلة على مناطق في مدينتي حرستا والزبداني، بينما نفذ الطيران الحربي غارتين على مناطق في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، ترافق مع قصفه لمناطق في مدينة الزبداني.
في حين ألقى الطيران المروحي عدة براميل متفجرة على مناطق في مزارع مخيم خان الشيح، بالغوطة الغربية، ترافق مع قصف للطيران الحربي على مناطق في المزارع المحاذية لاوتوستراد السلام قرب المخيم، فيما قتل 3 مقاتلين من المجموعات المتشدّدة في اشتباكات مع قوات النظام والمسلحين الموالين لها في جرود منطقة القلمون.
في حين دارت اشتباكات بين قوات النظام من طرف، ومقاتلي المجموعات المتشدّدة والمعارضة من طرف آخر، في محيط إدارة المركبات من جهة مدينة عربين، ترافق مع قصف لقوات النظام على مناطق في المدينة.
ونفذ الطيران الحربي غارتين على مناطق في حي جوبر، وتجددت الاشتباكات بين مقاتلي المجموعات المتشددة وجبهة النصرة من جهة، وقوات النظام مدعمة بقوات الدفاع الوطني وحزب الله من جهة أخرى في حي جوبر.
محاولة انتقام
ومن جانبه قال الائتلاف الوطني السوري المعارض إن قوات النظام تصعد قصفها للأحياء السورية، كمحاولة للانتقام من هزائمها، وتعزيز ظروف انتشار التنظيمات الإرهابية.
وقال الناطق باسم «الائتلاف» سالم مسلط إن نظام الأسد يرتكب منذ الاثنين سلسلة من المجازر في قرى وبلدات درعا وإدلب عبر غارات جوية كثيفة، مؤكدا إدانته لتلك المجازر والجرائم ويستنكر الصمت الدولي على هذا التصعيد الذي يندرج في سياق حملة إرهابية انتقامية واسعة يشنها نظام الأسد على كامل الجغرافية السورية، مستخدماً الطيران الحربي والقصف المدفعي والصواريخ الموجهة والعشوائية، في محاولة للانتقام من هزائمه ونشر المزيد من الفوضى ومنع أي نوع من الحياة المدنية في المناطق المحررة، إضافة لتعزيز ظروف انتشار التنظيمات الإرهابية».
تقدم للمعارضة
ورغم قصف النظام، لم تتراجع قوات المعارضة السورية؛ إذ أعلنت شبكة شام الإخبارية المعارضة إن فصائل سورية مقاتلة سيطرت أمس على مواقع استراتيجية في حلب شمال سوريا وقتلت وأسرت عدداً من جنود النظام عقب اشتباكات عنيفة دارت بين الطرفين.
وقالت الشبكة في سلسلة بيانات إن الثوار سيطروا على تلة الميسات الاستراتيجية المطلة على دوار البريج بشمال مدينة حلب والتي كانت تحد من حركة مقاتلي الثورة السورية في المنطقة جراء القصف المتواصل من قبل قوات النظام على مناطق سيطرتهم».
وأضافت أن الثوار تمكنوا أيضاً من قتل قائد غرفة العمليات في التلة وعشرات الجنود في الاشتباكات وأسر 15 عنصراً من قوات النظام بينهم عناصر ميليشيات مسلحة تقاتل الى جانب قوات النظام.
وذكرت أن مقاتلي المعارضة استولوا على دبابة وعدد من الذخائر والأسلحة مشيرة إلى أن تلة المياسات تتعرض الآن الى قصف عنيف جداً بالمدافع والصواريخ والبراميل المتفجرة من قبل قوات النظام.
ويعتبر تل المياسات ذا موقع استراتيجي كونه يطل على طريق إمداد النظام، الواصل من قرية الشيخ نجار إلى سجن حلب المركزي وصولاً إلى قريتي سيفات وحندرات، ويؤمن من خلالها النظام الحماية للمدينة الصناعية المجاورة لها.
وأشار نشطاء معارضون إلى أن سيطرة المعارضة على تل المياسات أمس ومنطقة المناشر سابقاً «أتاحت للثوار إبعاد النظام من حصار حلب»، في وقت لا تزال مساعي المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا لـ «تجميد» القتال بدءاً من حلب تواجَه بتشدد من قبل الحكومة السورية.
كما تمكنت فصائل من المعارضة السورية المسلحة، من السيطرة على كتيبة النيران التابعة للواء 82 والاستيلاء على أسلحة نوعية في ريف درعا الشمالي الغربي جنوب البلاد، بعد معارك ضارية استمرت أياما.
واستطاعت المعارضة بفضل هذه السيطرة فتح جبهات جديدة مع جيش النظام السوري بهدف السعي لإحكام سيطرتها على مناطق وطرق جديدة في الريف الشمالي الغربي لدرعا، بهدف الوصول إلى الطريق السريعِ الدولي "درعا دمشق" من جهة بلدة محجة القريبة من مدينة الصنمين.
وقال الناطق باسم فصيل يعرف بحركة المثنى الإسلامية يدعى أبو شيماء إن "معركة السيطرة على اللواء 82 كانت من أقوى المعارك بهدف الانطلاق إلى تحرير الكتيبة 60 التي تجري فيها
الآن معارك، وفتح معركة على بلدة الفقيع ومحجة وصولا إلى مدينة الصنمين".
وأفاد القائد الميداني في "قيادة الجبهة الجنوبية" عبد الله أبو طلحة، أنهم تمكنوا من تحرير عدة قرى في ريف درعا في الآونة الأخيرة، وسيطروا على ما يقارب من 70% من محافظة درعا وريفها، بما فيها حدود المحافظة مع الأردن.
وقال أبو طلحة: "نحن لا نريد التوجه إلى دمشق العاصمة في الوقت الحالي لاكتظاظها بالمدنيين، ولا نريد أن نخلق موجة لجوء جديدة، وركزنا قوتنا في القلمون، ودرعا، التي بقيت فيها عدة مواقع تحت سيطرة النظام، وبعد السيطرة عليها لدينا خطط أخرى". و
ويعتبر «اللواء 82» من أكبر ألوية الدفاع الجوي في سوريا، وأبرز الألوية المقاتلة في مناطق الجنوب، كما يعد عقدة حيوية واستراتيجية مهمة كونه يحتل مواقع متقدمة لتأمين باقي التشكيلات العسكرية.
مربع الصفر
الدكتور يسري العزباوي الخبير السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية قال، إن استمرار ارتكاب نظام الأسد للمجازر في سوريا، يزيب كل أمال التوصل إلى حل سياسي لرأب الصدع، مؤكدا أن تصعيد النظام للقصف جاء ردا على تقدم المعارضة في العديد من المدن على رأسها درعا، وأعاد الأزمة السورية إلى مربع الصفر.
وأضاف الخبير السياسي، لـ"مصر العربية"، أن تقدم المعارضة السورية المسلحة، لا يعد نهائيا، فما يحدث في سوريا عمليات كر وفر بين النظام والمعارضة، ومن ثم لا يمكن اعتباره تقدما ملموسا، مشيرا إلى ضرورة تدخل الأطراف الدولية لوقف نزيف الدماء.
وأكد الخبير السياسي أن الحل العسكري لم يعد فعالا في سوريا، خصوصا وأن كلا الطرفين لم يستطيعا حسم المعركة لصالحهم، مؤكدا أن الوضع سيظل هكذا مأساويا حال عدم التوصل لحل سياسي سريع.
وكانت قد اختتمت جلسات لقاء موسكو التشاوري السوري - السوري، الخميس الماضي في العاصمة الروسية؛ ، بين وفدي المعارضة السورية والنظام السوري، دون التوصل إلى اتفاق محدد، أو الخروج بإعلان أو ورقة مشتركة.
يذكر أن "لقاء موسكو التشاوري السوري - السوري"، بدأ أعماله في 26 من الشهر الماضي، باجتماعات بين شخصيات معارضة سورية وأخرى من المجتمع المدني من الداخل، حيث افتتح الجلسة الأولى رئيس معهد الاستشراق الروسي "فيتالي نؤمكن"، بكلمة افتتاحية، رحب فيها بالمجتمعين، وأعرب عن أمله في التوصل إلى حل للأزمة السورية، ثم عقد وفد شخصيات المعارضة عدة جلسات يومي 26 و27 من الشهر الماضي، وخرج بورقة من عشرة نقاط.

0 التعليقات:
Post a Comment