"يمكن إيجاز سبل الحل لظاهرة الإرهاب في المدى القصير في ثلاث: الديمقراطية ـ سيادة القانون ـ الإعلام. إن أسوأ ما يمكن أن يحدث لمجتمع، أن تنتمي أغلب قيادات الرأي فيه إلى واقع قديم، وممارسات مستهلكة وسياسات انتهازية، بينما لا يُسعف الزمن بعد، ولا يسمح المناخ بظهور قيادات جديدة، وتيارات فكرية واعدة، وفيما بين هذا وذاك، يشمل الضباب الجميع، وينتحي أغلب الشرفاء جانباً، ويبدو للكل أنه لا أمل.
في مثل هذا الموقف، لا مفر من أن تتسع ساحة الديمقراطية للجميع، من دون قيد، ومن أجل صالح الجميع، ولعلي أميل، كثيراً، إلى تسمية الوضع السائد حالياً في مصر بالسماح الديمقراطي، حيث يتم تمرير الديمقراطية من أعلى بالقدر الذي تراه السلطة ملائماً... إن استكمال مسيرة الديمقراطية سوف يكون مدخلاً إلى اجتذاب من يقبلون بالعمل السياسي والحوار، وفرز من لا يقبلون بهما خارج ساحة الفكر والسياسة. وساعتها، سوف تسقط حجة المدافعين عنهم، بمنطق أننا ألجأناهم إلى أضيق الطريق، واضطررناهم إلى الخروج، حين أغلقنا أمامهم باب الدخول، ولعل من يرون عكس ذلك يدركون أن أسوأ ما يمكن أن يحدث أمام الرأي العام، الداخلي والخارجي، هو أن يستتر الإرهاب وراء حجة مقبولة، وأن نتطوع نحن بإعطائه مبرراً، على الرغم من أنه، في تقديري، غير مبرر في كل الأحوال.
ومن واجبنا جميعاً في سعينا لمحاصرته وتحجيمه وتضييق الخناق عليه، أن نسعى لإزالة كل مبرراته السياسية، وأن نضعه على قدم المساواة في الحقوق السياسية مع الآخرين، وقد يعترض علينا البعض بأننا بذلك نخضع له، ونستجيب لمطالبه، وأننا لو بدأنا هذا الطريق لواجهتنا أسباب ومبررات أخرى، مثل ما يعلنونه من مبررات أخلاقية ودينية، وهي مبررات لو استجبنا لها، لحققنا إرادتهم وهدفهم النهائي في تحويل المجتمع من دولة مدنية إلى دولة دينية، هم راياتها ومنظروها، والرد على ذلك يسير، فواجبنا أن نستجيب لهم في السماح لهم بحرية التعبير السياسي والفكري، لأن ذلك حق لهم، بينما مضمون هذه الآراء ومحتواها ليس حقاً، بل هو، في النهاية، رأي، ومن حقهم علينا أن يحصلوا منا على الحق، لكنه ليس من حقهم، أبداً، أن يفرضوا علينا الرأي.
... إن الأصوات المرتفعة التي تدعو إلى منع قيام أحزاب على أساس ديني لا تعدم حجة منطقية تقدمها، وهي التخوف من ظهور أحزاب دينية مسيحية، وانقسام المجتمع المصري طائفياً، وهو تخوف مردود عليه تاريخياً، والذين يرفعون راية التخوف يهملون الفرق بين الفعل ورد الفعل، والتاريخ كله شاهد على أن هذا التخوف لا أساس له، وأن الأقباط يعطون أصواتهم، عادة، للأحزاب الأكثر أماناً في قضية الوحدة الوطنية، ثم إن هذا التخوف يهمل الواقع، ويقفز فوقه برعونة غريبة، فمن قال إن الأحزاب الدينية غير قائمة، وإنها لا تتمتع بما هو أكثر من الشرعية، حيث تستفيد بمزاياها، وتتهرب من تبعاتها، فلا التمويل مراقب، ولا العضوية معروفة، ولا الاجتماعات علنية.
ولعل هؤلاء المتخوفين يراجعون أنفسهم، ويدركون أننا، في مطالبتنا هذه، لا نزايد، بل نسعى لحماية وطن ننتمي إليه جميعاً، بل إننا كثيراً ما نضع أنفسنا في موضع من بيدهم الأمر حين نفكر ونقترح، وإننا ندرك أيضاً صعوبة مثل هذا القرار لو كنا في موضعهم، وأن من يده في الماء ليس كمن يده في النار. ولهم أن يصدقونا، إذا قلنا لهم إن يدنا في النار مثلهم تماماً، وإننا ننظر للأمر على أننا جميعاً في سفينة واحدة، نطفو معاً أو نغرق معاً، وإنه لا ضير في أن نختلف، بل وأن نتشاجر، لكن الضير كل الضير أن يرفع أحدنا في وجه الآخر سلاحاً، أو أن يثقب أحدنا السفينة انتقاماً من الآخر، أو أن يرى أحدنا من يثقبون ولا ينكر ما يراه، تغريراً بالآخر وتصفية لحساب معه، وليسمح لي الأستاذ الكبير، خالد محمد خالد، أن أستعير عبارته الشهيرة: الديمقراطية الكاملة الآن، وقبل أن لا يكون هناك آن".
حين كتب الدكتور فرج فودة هذه السطور التي يمكن أن تقرأ نصها كاملاً في كتابه (الإرهاب)، كانت مصر تتعرض لموجة عاتية من الإرهاب الذي كان يستهدفه هو شخصياً مع كتاب وفنانين كثيرين، لكنه كان يدرك، قبل استشهاده، أن مواجهة الإرهاب لن تكون إلا بمفهوم شامل للحرية، وهو ما لا يدركه الكثيرون، الآن، للأسف، بما فيهم بعض الذين يتمسحون باسم فرج فودة، رحمه الله، ورحم كل شهداء الإرهاب بكل أشكاله، وقاتل ولعن كل صانعيه وداعميه ومبرريه.

0 التعليقات:
Post a Comment