ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.. ينطبق هذا على القرارات الواردة فى الإعلان «الفرعونى» المباغت للرئيس، وينسحب أيضا على ردود الأفعال الغاضبة عليها.
قرارات السلطة ظاهرها الثورة لكن باطنها الاستبداد.. وردود أفعال المعارضة أيضا ظاهرها الثورة والديمقراطية لكن باطنها الهوى الخاص وأحلام الصعود إلى الحكم.
إن كلا من المعسكرين يستخدم شعارات الثورة، كلاهما يهتف «ثوار أحرار هنكمل المشوار» سواء عند الاتحادية، أو مصطفى محمود والاستقامة، ولا يهم هنا كثيرا الاهتمام بعداد الحشود، الذى يتحرك صعودا وهبوطا حسب المتحدث، فكلاهما يرى نفسه ملايين والآخرين آلافا أو مئات.
عند الاتحادية يهتفون للثورة دفاعا عن الاستبداد، وفى ميادين أخرى يهتفون للثورة و«يصلحون ساعات» .
الذين يسلكون وكأنهم فى نسخة مطابقة من «جمعة الغضب» الخالدة يوم ٢٨ يناير ٢.١١، يتناسون أنها ما كانت لتخلد فى التاريخ لولا أنها كانت جمعة بلا أعلام أو شارات حزبية وتصنيفات فكرية، بل كانت جمعة كل المصريين، ولم تكن مفردة «النخبة» قد احتلت قاموسنا السياسى بعد، إذ كان الشعب كله فى حالة صعود إلى قمة الحلم الجمعى.
وليس معنى اجترار هتافات وشعارات «جمعة الغضب» هنا وهناك، أننا أمام جمعة غضب حقيقية، فالحلم لم يعد واحدا، والجمع صار طوائف وجماعات متناحرة متناثرة.
وليس معنى أن أهل الاتحادية يهتفون «يا شهيد نام وارتاح» أن جمعتهم هى جمعة الشهداء وإنقاذ الثورة وحمايتها، قد تبدو كذلك شكلا، لكنها مضمونا لتأمين وتحصين منصب الرئيس.
وأزعم أن مخاطر حقيقية كانت هناك تتربص بالمرحلة كلها، ربما كانت الدافع لكى يمنح الرئيس نفسه سلطات «فرعونية» غير أن مواجهة هذه المخاطر كانت تتطلب مصارحة للشعب وشفافية مع الجميع لوضعهم أمام مسئولياتهم، وقد تساءلت فى هذا المكان يوم ١٢ نوفمبر الجارى «من هو رئيس مصر ٢.١٣» وقلت نصا «والحاصل أننا نعيش الآن مرحلة زرع الألغام وتفخيخ الأرض، تمهيدا لانفجار كبير تتم عملية صناعته هذه الأيام، خارج مصر وداخلها، بحيث لا تأتى الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، إلا وقد انهدم كل شىء، لتعود الغربان تنعق فى طول البلاد وعرضها، وتحتفل بالانتصار.
وأوضحت أنه «وحسب روايات متعددة قادمة من خارج مصر فإن خصوم الثورة يحتشدون الآن، ويضخون أموالا بلا طائل لتصنيع حالة من الخراب والانفلات والفوضى فى الداخل، بل إن بعضهم بدأ فى تسريب أنباء عن اقتراب العودة للهيمنة على البلاد والعباد، كنوع من الحرب النفسية الدائرة على قدم وساق، من خلال إشاعة مناخ من الرعب والفزع.
وختمت بعلامة تعجب كبيرة «غير أن الأكثر مدعاة للدهشة أن يبدو الرئيس وحزبه وجماعته كما لو كانوا مساهمين فى خدمة الثورة المضادة، بهذا الأداء المرتبك المتلعثم فى عديد من الملفات المفتوحة فى مصر الآن».
لقد كان الأفضل للرئيس أن يخرج على الجماهير التى انتخبته ببيان واضح شفاف يعلن فيه حجم المخاطر ومصادرها، احتراما للناس ولثورتهم، بدلا من أن يصب على رءوسهم زخات من القرارات التى تجعله ديكتاتورا ولو بشكل مؤقت، كما قال شراح الإعلان الدستورى الصادم.. غير أنه تصرف بالطريقة القديمة ذاتها، طريقة القائد الملهم المعلم الذى يعتبر المصريين مجموعة من الأطفال فى حضانة الثورة، وهو الوحيد القادر على حمايتهم وتأمينها.
لكن الذى حدث أن فالقا مخيفا أصاب جدار الحضانة، وها هو يوشك أن ينقض على الجميع.
0 التعليقات:
Post a Comment