عقب نجاح ثورات الربيع العربي في إسقاط الأنظمة، شرعت تلك الدول في صياغة دساتير جديدة تجسِّد المطالب التي قامت لأجلها، وفي الوقت نفسه امتدت مطالب تغيير الدساتير لتشمل دولاً أخرى فيما يمكن وصفه بـ"ربيع الدساتير".
وفيما انتهت مصر من صياغة دستور ما بعد الثورة، وتترقب إقراره بعد إظهار النتائج النهائية غير الرسمية للاستفتاء ترجيح كفة "نعم"، توقعت اللجنة التأسيسية الموكل إليها صياغة دستور تونس الانتهاء من عملها وطرحه للاستفتاء في غضون الأشهر الأربعة المقبلة.
ولا تزال ليبيا واليمن على طريق تشكيل لجان لصياغة الدستور بها، حيث تجرى النقاشات في ليبيا حول آلية وكيفية اختيار أعضاء لجنة الستين التي سيوكل إليها المهمة، بينما ينتظر أن تعقد اليمن مؤتمرًا عامًا خلال الشهر الجاري تختار خلاله لجنة لصياغة الدستور.
وإذا كانت بلدان الربيع العربي بدأت بشكل فعلي في طريق تغيير دساتيرها بشكل كامل، فإن هناك دولاً ألقت رياح الربيع العربي بتأثيراتها عليها، فاستجابت - ولو بشكل جزئي - لمطالب تعالت بها تدعو لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وقامت بإجراء تعديلات دستورية.
وعلى مدى عامي 2011 و2012 أقرت المغرب والبحرين والأردن تعديلات دستورية جديدة، وتفاوتت حجم التعديلات حسب ظروف كل دولة، كما تباينت ردود المعارضة في تلك الدول حول مدى تحقيق تلك التعديلات لتطلعات ومطالب شعوبها.
كما تعهد الرئيس الجزائري بإجراء إصلاحات دستورية، يتوقع أن يتم البدء في تنفيذها مطلع العام القادم.
واختارت دول أخرى لم تشهد أي احتجاجات الدفع قدمًا بتحقيق أهداف نص عليها دستورها، وتأجل تنفيذها، وكان أبرزها قطر، الذي أعلن أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 أنه سيتم إجراء أول انتخابات لمجلس الشورى في تاريخ بلاده في النصف الثاني من 2013.
فيما لا تزال مطالب إجراء تعديلات دستورية أو التحول لممالك دستورية تلاحق أنظمة أخرى.
وفي السطور التالية نستعرض أوضاع الدساتير في بعض البلدان العربية في مرحلة ما بعد ثورات الربيع:
** مصر: أجرى الاستفتاء على أول دستور ما بعد ثورة 25 يناير/ كانون ثان على مرحلتين يومي 15 و22 من الشهر الجاري وأظهرت النتائج النهائية شبه الرسمية عن تصويت 63.9% من الناخبين لصالح المشروع، فيما رفضه 36.1% من الناخبين، ومن المتوقع الإعلان الرسمي عن نتيجة الاستفتاء غداً الثلاثاء.
** تونس: في أعقاب الثورة التونسية تم تعليق العمل بالدستور في مارس/ آذار 2011، وتم انتخاب مجلس تأسيسي في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، أوكلت إليه مهمة صياغة دستور جديد للبلاد، ومن المقرر أن يعلن دستور تونس الجديد على التصويت في المجلس التأسيسي خلال أبريل/ نيسان 2013.
** ليبيا: مازالت النقاشات جارية حول تشكيل لجنة الستين التي سيوكل إليها مهمة كتابة الدستور، وكان المجلس الوطني الانتقالي الليبي قد أجرى في مارس/ آذار 2012، تعديلاً جوهريًا على الإعلان الدستوري المؤقت ينص على "اختيار هيئة تأسيسية من غير أعضاء المؤتمر الوطني العام المنتخب لصياغة مشروع دستور للبلاد تسمى الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور وتتكون من 60 عضوًا على غرار لجنة الستين التي شكلت لإعداد دستور استقلال ليبيا عام 1951"، ونص التعديل على أن يتم اختيار أعضاء الهيئة بالانتخاب المباشر من الشعب، وأن تتكون من ستين عضواً موزعين بالتساوي على أقاليم ليبيا الثلاث (طرابلس وفزان وبرقة).
ويواجه تشكيل اللجنة العديد من التحديات؛ أبرزها كيفية تقسيم الدوائر الانتخابية داخل الأقاليم الثلاثة، وكيفية التوافق على معايير اختيار العشرين عضواً من كل إقليم.
** اليمن: يجرى الترتيب لإعداد مؤتمر للحوار الوطني خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول الجاري، ومن المقرر أن يتم خلاله الاتفاق على إنشاء لجنة دستورية تعمل خلال تسعة أشهر من انتهاء المؤتمر على صياغة مشروع دستور وعرضه على الشعب في استفتاء عام، ولكن لا تزال هناك معوقات رئيسية، أولها أن الأطراف التي ستشارك في هذا المؤتمر والحوار تشعر بقلق؛ لأن الحكومة لم تتمكن من تسلم كل أدوات السلطة وفي مقدمتها الجيش والأمن اللذان ما زالا في يد عائلة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، إضافة إلى تلكؤ الحراك الجنوبي - الذي سبق وأن طالب بالانفصال - عن المشاركة.
** المغرب: على إثر الربيع العربي، نتيجة لحراك شعبي وسياسي للمناداة بالإصلاح في المغرب، تم إجراء تعديلات دستورية جديدة طرحت في استفتاء في يوليو/تموز 2011 وتم إقرارها، ووفقا للتعديلات الدستورية المجازة، يظل الملك رأسا للدولة وقائدا للجيش و"أميرا للمؤمنين"، لكن تنزع عنه صفة القداسة، كما تنازل الملك عن بعض صلاحياته لرئيس الحكومة الذي سيكون من حزب الأكثرية في البرلمان، وتنص الوثيقة الجديدة على أن الملكية في المغرب برلمانية ديمقراطية دستورية اجتماعية، ويمنح الدستور الجديد القضاء استقلالا أكبر، والمرأة حقوقا إضافية، وكرّس الأمازيغية لغة رسمية كالعربية، وهو أمر يحدث لأول مرة في بلد بشمال أفريقي.
** البحرين: على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها البحرين متأثرة بالربيع العربي، صادق العاهل البحريني، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، على تعديلات دستورية في مايو/أيار 2012، عزز بموجبها صلاحيات البرلمان، وطبقا للتعديلات فانه يتعين على الملك الآن التشاور مع رئيس مجلس النواب المنتخب ورئيس مجلس الشورى المعين قبل أن يحل البرلمان، ويحق لمجلس النواب المنتخب وحده التصويت على عدم إمكان التعاون مع رئيس الوزراء، ورفع الأمر الى الملك الذي سيكون الجهة النهائية التي تبت في إقالة رئيس الوزراء أو السماح له بالاحتفاظ بمنصبه.
وانتقدت المعارضة هذه التعديلات واعتبرتها "صورية"، ومازالت تطالب بتعديلات دستورية تقضي بحكومة منتخبة من البرلمان المنتخب وتلغي مجلس الشورى المعين.
** الأردن: في أعقاب الحراك الاحتجاجي للمطالبة بالإصلاح الشامل والتغيير منذ مطلع سنة 2011، تم تشكيل "اللجنة الملكية لمراجعة نصوص الدستور" في أواخر إبريل/ نيسان2011، على أن تأخذ بعين الاعتبار ما سيصدر عن لجنة الحوار الوطني – سبق أن تم تشكيلها- من توصيات متعلقة بالتعديلات الدستورية الخاصة بقانوني الانتخاب والأحزاب. قدمت لجنة الحوار الوطني مقترحاتها في 5 يونيو/حزيران2011، وتضمنت مشروع قانون الأحزاب السياسية ومقترحات للحياة النيابية تفترض إلغاء بعض التعديلات الدستورية التي تتعارض والديمقراطية.
وناقش مجلسا النواب والأعيان مقترحات اللجنة الملكية لمراجعة الدستور وأقرّاها كما هي دون تعديل أو تغيير، ورفعاها إلى الملك الذي صادق عليها ونُشرت في 1أكتوبر/ تشرين الأول2011.
ورفضت المعارضة تلك التعديلات، واعتبرتها تعديلات شكلية لا تمس جوهر سلطة الحكم الفردي المطلق، لا سيما إزاء الإصرار على إجراء الانتخابات النيابية وفق القانون الجديد "قانون الصوت الوحد"، وأعلنت الجبهة الوطنية للإصلاح في 23 يوليو/تموز 2012 مقاطعتها للانتخابات النيابية القادمة المقررة مطلع عام 2013. ومازالت قوى المعارضة تطالب بإجراء تعديلات دستورية تحقق الإصلاح الشامل وإلغاء قانون الانتخاب، وإصدار قانون انتخاب عصري يمثل الشعب تمثيلاً حقيقيًا.
** الجزائر: تترقب الجزائر تعديلا محتملا للدستور، سبق أن تحدث عنه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في سياق إعلانه عن "إصلاحات سياسية عميقة"، وكان ذلك الخطاب بمثابة نداء للجزائريين، دعاهم فيه بوتفليقة إلى "عدم الانسياق وراء ثورات الربيع العربي"، وقبل أيام أعلن مسؤول حكومي أنه سيتم تشكيل لجنة مختصة بتنفيذ هذه التعديلات الدستورية بداية من السنة المقبلة (2013) على أن تعرضه اللجنة على الحكومة لاحقاً، وشددت الأحزاب السياسية في الجزائر على ضرورة أن تشمل التعديلات المرتقبة تحديد الولايات الرئاسية وحصرها في ولايتين غير قابلتين للتجديد.
** الكويت: في أعقاب انتخاب البرلمان الأخير قبل أسابيع، وهي الانتخابات التي قاطعتها المعارضة الكويتية بمختلف أطيافها (إسلاميين وقبليين وقوميين وليبراليين) اعتراضا على إجراءها وفقًا لنظام الدوائر الخمس وآلية التصويت لمرشح واحد، بدلا من 4 مرشحين، وحينها بدأت تتعالى أصوات لإجراء تعديلات دستورية تتجاوز حتى آلية التصويت على الانتخابات، تطالب باعتماد نظام الحكومة المنتخبة وتعديل نظام الدوائر وتقليصها وإشهار الأحزاب، وإصلاح القضاء.
** العراق: دستور البلاد وُضع في ظل الاحتلال الأمريكي، ففي أكتوبر/تشرين الأول العام 2005، وفي أعقاب الأزمة الأخيرة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان حول كركوك، وفشل الاحتكام للدستور، أكد مراقبون أن هناك خلل في الدستور العراقي كون نصوصه كتبها سياسيون وليس خبراء، وطالبوا بتفعيل لجنة الاصلاحات الدستورية لإعادة كتابة الدستور وفق أسس علمية صحيحة.
**السعودية: شهدت السعودية احتجاجات- ضعيفة- متأثرة بموجة ثورات الربيع العربي، للمطالبة بإطلاق سجناء الرأي وتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية، وخلال تلك الاحتجاجات جدد نشطاء سعوديون مطالبهم بتطوير نظام الحكم ليصبح ملكيا دستوريا والفصل بين السلطات الثلاث، الملكية الدستورية.
وتتبع السعودية نظام الملكية المطلقة، ولا تملك دستورا رسميا مكتوبا، والنظام الأساسي للحكم الصادر كمرسوم ملكي عام 1992 يعتبر بمثابة الدستور للبلاد.
** قطر: رغم أن قطر لم تعرف أي احتجاجات متأثرة بالربيع العربي، إلا أن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أعلن (1في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011) أنه سيتم إجراء أول انتخابات لمجلس الشورى في تاريخ بلاده في النصف الثاني من 2013. وقال الأمير أن غالبية الأهداف التي حددها الدستور القطري قد طبقت.

0 التعليقات:
Post a Comment