إذا كنت تعتقد أن سياسات القمع والبطش والحل ستحل مشكلتك مع أنصار «تيارات الشعارات الإسلامية» فأنت حتما لم تقرأ هذا الكتاب.
ربما هذه الجملة التى افتتح بها الكاتب بلال فضل حديثه عن كتاب "يوما ما كنت إسلاميا" تعد أحد النتائج الهامة التى نويت أن تصل لقراء "الشعب الآخر" من خلال تجربة الكتاب، بعيدا عن أن فضل – كأحد منظرى واحد من أقرب فصائل الشعب الآخر إلينا – كعادته لا يترك جملة دون أن يثبت فيها أن ينغص فيها على أى إسلامى يقرأ له حتى لا يظن ظان أنه فى صفه يوما ما، فقد وسمهم بالسطحية حيث تيارهم مجرد "شعارات إسلامية" وأنهم أصلا تابعون لهذه الشعارات حتى، فهم مجرد أنصار لها !
الكاتب قد قرأ الكتاب بعناية شديدة بالفعل أحييه عليها، وكوّن فكرة المقال على أحد عناصره التى تتلخص فى أن طبيعة تكوين التيار الإسلامى تعتمد على البيئة المغلقة التى لا تنشط إلا فى السر و لا يشتد ضرامها إلا فى الظل، وأن سبب التخبط الذى عانت منه بعد الثورة هو خروجها للنور، الذى قلص من الظاهرة إلى حد كبير، وبالتالى فإن النصيحة الناجعة هى تركهم فى النور حتى يخصم من رصيدهم أكثر ويصيروا فى مساحتهم الطبيعية، ملفوظين من المجتمع، تلك المساحة التى ستتضخم مرة أخرى إذا عادت لهم مظلوميتهم الأثيرة لديهم !
هذا الذى أدركه بلا فضل من الكتاب، أو بالأحرى هذا هو الذى لفت نظره فى الكتاب، وشعر أنه يتناسب مع ما يود قوله مسبقا، إلا أن الذى أستعجب منه كيف لم يلفت نظره أن 70% من التجارب التى ذكرتها فى الكتاب ذكرتها فى الكتاب لم تكن تجارب سرية على الإطلاق، فلم تكن مغامرات مع قادة تنظيميين، ولا كانت اجتماعات سرية ذات محتوى خطير، بل معظمها (بما فيها زيارتى لغزة وحملى للسلاح) قد نشرته قبل ذلك (قبل ثورة 25 يناير) على مدوناتى، ولم يكن فصل (إخوان 2005) وما بعده فى الكتاب إلا تجليا واضحا لانفتاح جانب كبير من الحركة الإسلامية على المجتمع، إضافة إلى حركة الإسلامى الوسطى والإسلام الحضارى التى يؤمن أصحابها بالفكرة الإسلامية حتى النخاع ولم يجبروا العمل التنظيمى أو السرى ليوم واحد، بما يفقد السيد فضل تفسيره لاستمرارية ووقوة هذه الحركة الظلامية، وبما يجعل النقولات التى نقلها عنى مجرد سبب من أحد الأسباب الكثيرة التى ذكرتها فى الكتاب وليس السبب الأول والوحيد
كان السيد بلال يخمن أننى وأصحابى الإسلاميين سيكون نشيد "غرباء" فى فمنا الآن أكثر لذة بعد "غشومية" فض اعتصامى رابعة والنهضة، والحقيقة أن الأنشودة بالفعل أصبحت أكثر حلاوة لا لأننا نريد دائما أن نبقى غرباء مترفعين عن المجتمع، ولكن لأن تلك الجرائم بالفعل أثبتت أننا وحيدون فى هذا الكوكب، فما افتقدته من الإسلاميين (كتنظيمات) يوم محمد محمود افتقدت أضعافه من التيارات الأخرى (أفراد وكيانات) يوم فض الاعتصامين !
فبعد الثورة كنت أتمنى بالفعل أن أجد ليبراليين حقيقيين فى مصر أطمئن إن وصلوا للسلطة أن يتركونى كإسلامى وشأنى مع المجتمع، وكنت أتمنى بالفعل أن أجد اشتراكيين حقيقيين يؤمنون بقوة المجتمع وكفاح طبقاته ضد السلطة الرأسمالية المتوغلة، وكنت أتمنى أن أجد ثوارا حقيقيين يدافعون عن الدماء ولا يبررون للقتل والسحل، كنت أتمنى أن أجد لأى تيار آخر (غير إسلامى) شعبية حقيقة واعية تستطيع أن تنافس الإسلاميين (مدنيا) بشكل حقيقى حتى يصحح الإسلاميون أخطائهم من خلال الممارسة والتجربة التى لا تعاقب شخصا تعثر فى نقرة فى الشراع برصاصة فى الرأس، ولكن واحسرتاه ما أسفت عليه مرة من تنظيماتنا أسفت عليه عشرات المرات منكم فردا فردا، وأصبحنا بالفعل فى مواجهة الدولة (التى لم تغب عن المشهد يوما واحدا) غرباء !
لكل قارىء الحق فى أن يعرض فى كتابى ما أثاره، وقد قدم أكثر من 300 قارىء تعقيبات متفاوتة كيفا وكما عن الكتاب ولم يزعجنى أن تعليق منهم أبدا، ولكن فقط يؤسفنى يا سيد بلال أنك لم تلتفت فى الكتاب إلى الظاهرة الاجتماعية - التى لا أظن أنها فاتتك - يؤسفنى أنك لم تلتف إلى "مجتمعنا" و "عالمنا" الذى لا يخضع للتفسيرات السياسية، ولا يتزعزع إيمان المؤمنين به سواء أنزلوا محمد محمود أم لم ينزلوها، يؤسفنى أنه لم يلفت نظرك الفن والأخلاق والجمال والجهاد والحدود والوطن .. مجتمعنا وعالمنا الذى لن يكون أحد نتاج أبناءه يوما - مهما اختلفت درجة إسلامية - سيناريو فيلم اسمه "حاحا وتفاحة" ولا حتى يمكنه أن يتابع عشرة دقائ كاملة لفيلم مثل هذا .. يؤسفنى أنه فاتتك الكثير من الأشياء التى كنت أود أن تعلم عنها لو أنك يوما ما كنت إسلاميا
لكن رغم كل شىء فقد قدمت فى خاتمة مقالتك عرضا جيدا، و على الرغم من أنك لا تملكه، لكننى – ومن خلفى إخوانى ممن هم على شاكلتى – لم نطلب فوق الحرية، وأن تخلى السلطة بيننا وبين الناس، لكن يبدو أن أصدقائك من النخبة العلمانية ومن خلفهم كل أجهزة الدولة ومن ورائهم القوى العالمية يخالفونك الرأى، ويعملون أن الحرية تعنى أن الإسلاميين سيبتلعون كل مساحات المجتمع والدولة رويدا رويدا، شيئا فشيئا رغم العثرات، وهو ما لم و لن يسمحوا به .. وتستمر المعركة !

مقال متميز
ReplyDelete