من المهم في هذا المشهد الاستفتائي أن نربطه بقضية الشرعية التي نال منها الخطاب الانقلابي واستخف بها وسخر منها لا لشئ سوى أن "تحالف دعم الشرعية" قد اتخذ من هذا المفهوم شعاراً، وبدا للبعض أن يستهزئ بهذا المفهوم فيحاول تقديمه كأنه مرادف لشخص بعينه " الرئيس مرسي"، وأخطر من ذلك أن نجد البعض الآن وهو يتحدث عن الاستفتاء بأنه "يبني مساراً جديدا لشرعية جديدة"، فإذا بهم يستحضرون كلمة الشرعية مرة أخرى ويجعلونها جوهر خطابهم الجديد حينما يعولون على نتائج الاستفتاء.
هكذا حال الانقلاب حينما يتعامل مع الكلمات فيقتلها ويئدها حينما يشاء، حينما لا تكون في مصلحته، بينما يُحييها ويستدعيها حينما تكون عنواناً لمصلحته وتبريراً لسلطانه، وهو في هذا السياق قد يستخف بالكلمات أو يهون منها أو يقلل من شأنها مستخفا بمعانيها ساخراً من مغازيها فأطلق حفلة من السخرية على كلمة "الشرعية" وكل متضمناتها بينما هو الآن يطلق حفلة أخرى "حفلة راقصة" تحاول إشاعة الابتهاج بنتائج الاستفتاء المصنوعة أو المصطنعة ليحرك بها التفكير حول "مصر الجديدة التي تملك شرعية جديدة".
هذا هو الحال الذي يتعامل به الخطاب الانقلابي مع عالم الكلمات حينما يسخر منها ثم يستجديها تارة أخرى حينما يستدعيها تبريراً وتزويراً على شعب بأسره؛ وهو في هذا المقام لا يفرق بين حقيقة الشرعية، بتعبيرها عن جوهر الرضا والاختيار، والتوافقية والتعاقدية الكامنة فيها من ناحية، وبين ما يمكن تسميته بالشرعنة في صورة الدسترة من ناحية أخرى، وغاية الأمر حينما نتحدث عن محاولات "شرعنة ودسترة الانقلاب" والتي تأتي في خطاب المنظومة الانقلابية ؛حينما تؤخذ السلطة انقلابا ويسمى "اغتصاب الشرعية"؛ استحقاقاً استفتائياً أو دستورياً، وحينما يسمى صناعة نتائج الاستفتاء على الدستور تمريراً وهي في حقيقة الأمر ليست إلا تزويراً، هذا عين مفهوم الشرعنة حينما يحاول هؤلاء أن يدسوا هذا المفهوم على المفهوم الأصيل وهو الشرعية بمفهوم زائف ليس إبناً من أبنائه ولكنه مدسوساً على عائلته ونسبه، وفي هذا المقام لا يمكن بحال الحديث عن عملية الإضفاء تلك إلا باعتبارهاً تبريراً للتزوير أو تزويراً في التبرير، فالشرعنة بذلك إنما تقوم على قاعدة من التلبيس في ثوب يتخذ من مسارات مشتبهة ومختلطة فيقول أن ذلك ليس إلا تأسيساً لمسار ديمقراطي جديد يصوغ وثيقة دستورية توافقية، ويقيم مؤسسة برلمانية، ويدشن مؤسسة رئاسية؛ فهذا هو معنى الشرعنة التي أسماها بـ "بناء شرعية جديدة" وتناسى هؤلاء أن انقلاباً كان هو الذي أسس لذلك المسار بقطع الطريق على مؤسسة رئاسة منتخبة فعزلها، ومؤسسة برلمانية منتخبة فحلها، ووثيقة دستورية مستفتى عليها فعطلها، كيف يمكن إذ أن نميز بين حالتين لمفهوم واحد فنهدم وننقض واحدة ونسمي الأخرى بناءً وتأسيساً.
وكذلك فإنه من نافلة القول أن نؤكد أن عناصر التوافقية والتعاقدية التي يجب أن تكون في صياغة أي وثيقة دستورية قد انتهكت فإذا كان نظام حكم مرسي قد انتهك هذه القواعد "قيراطاً" ، فإن الانقلاب قد انتهكها "24 قيراطا" وأضعاف المرات التي جعلت من هذه الوثيقة تقوم على قاعدة من القتل والخنق والحرق والاعتقال؛ أي توافق يكون عنوانه هذه الأفعال التي تقع في نطاق التحريم والتجريم، وها هم الآن حينما نتحدث عن آليات الاحتكام إلى الصناديق يحاولون من خلال صناعة النتائج بالصناديق أن ينتجوا شرعنة زائفة لأوضاع إنقلابية لا يمكن بأي حال أن تقلب الحق باطلاً، أو تقلب الباطل حقاً؛ إنهم يمتهنون الكلمات والآليات حينما لا تكون في مصلحتهم، ثم يستدعونها تبريراً وتزييفاً وتزويراً حينما تُرسِخ لسلطانهم، ومن هنا نؤكد أن الصندوق ليس حالة انتقائية ولكنه آلية مستمرة ومستقرة.
لا بد أن نؤكد أن ثورة 25 يناير التي حملت مؤشرات على تغيير عناصر مهمة في المعادلة السياسية أهمها أن هذا الشعب أو جزءا معتبراً منه لا يمكن أن يحكم بالغصب وبالعسف، بالظلم وبالقهر، بالاستعباد والاستبداد، وأن الشباب الذي يحمل هذه الثورة يمثل في دوما طاقة ثورية لا يمكن إخمادها أو طمس تأثيراتها، وكذلك فإن الدستور حينما يصاغ في ظل هذه الحالة الاستقطابية لا يمكن بحال أن يؤسس لبناء مؤسسات رصينة بل تبنى هذه المؤسسات على شفا جرف هار لا قرار له ولا استمرار ولا استقرار، كما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصاغ هذا الدستور في جو مفعم بصناعة الكراهية التي قسمت الشعب والمجتمع وبدا الناس على شفا اقتتال واحتراب، نرى بعض مؤشراته من قريب ومن بعيد ومن كل طريق ،تهدد النسيج المجتمعي وأصول تماسك الجماعة الوطنية.
وكذلك فإذا كنا نتحدث عن شرعية وثائق الـتأسيس من خلال الرضا وأصول القبول العام فإن الأمر المؤكد أن الدستور حينما تُكتب مواده حتى بأعظم الصياغات أو أرقى النصوص فإن الأمر لا يقف عند حد كلمات الزينة أو فائض الكلام إلا أن يتحول ذلك إلى واقع حقيقي، فتكون الشرعية بذلك رضا عن سياسات حقيقية وممارسات فعلية، ومن هنا فإن هذا المعنى الكامن في الشرعية والضامن لها الذي يعبر عن الاتساق والمصداقية إنما يعبر في حقيقة أمره أن "عنوان الشرعية" في الوثائق التأسيسية يكون من خلال السياسات والآليات والضمانات والممارسات على أرض الواقع، أما أن تتحدث عن حقوق الإنسان التأسيسية وأنت تزهق النفوس، وتتحدث عن الحريات وأنت تكمم الأفواه، وأن تقتل وتعتقل ثم تتحدث عن الحفاظ على كيان الناس ومكانتهم ،فإن هذا يعبر عن تزييف لمفهوم الشرعية لا يجعله بأي حال إلا ضمن محاولات لتأسيس هندسة الإذعان أو صناعة الموافقة أو تشكيل للرضا الكاذب أو الخوف الكامن، آن الأوان أن نتحدث بوضوح عن حالة قمعية تريد أن تمكن لحالة انقلابية إقصائية تشرعن لذلك وتدستر له وتسمي ذلك بناء شرعية جديدة.
إن هذا الفعل ليس ابناً للشرعية الحقيقية ولكنه من إنتاج شرعنة زائفة لا يمكن أن تضفي شرعية على باطل أو تدستر لأمور لا تعد فى حقيقة أمرها إلا اغتصاباً وتزويراً وانقلاباً ،فالشرعنة الزائفة لا يمكن أن تجُب شرعية قائمة أوتؤسس لشرعية جديدة.

0 التعليقات:
Post a Comment