لم تكن 30/ 6 ثورة، ولم تكن موجة ثورية من موجات ثورة يناير كما ظننا وصدقنا، وخُدعنا، وشاركنا في خداع الناس، إنما كانت شركا وقعنا فيه جميعا وفخا قاتلا نصبوه بإحكام لثورة 25 يناير واستخدموا فيه صلف الإخوان وغرورهم وغبائهم السياسي، وحماسة الثوار، ورومانسيتهم، وغضبهم، واستعداداهم لأي شيء يبلغهم ما حلموا به، ولم يبلغوه مع الإخوان ولم يروا حتى بشائره في الافق.
نعم خدعونا جميعا، ولو تمادينا في الإصرار على كونها موجة ثورية كي لا نعترف بغبائنا، فنحن نكمل ما بدأوه، ونعينهم على أنفسنا، وعلى مصائرنا، وعلى ثورتنا.
إن الذين يحاولون تسويق الانقلاب العسكري بوصفه ثورة مثل ثورة يناير، يخادعون الثورة والذين آمنوا بها وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، وهم على اختلاف رؤاهم ومنطلقاتهم بين أجير للدولة القديمة يعرف ما يفعل، وبين مغفل يظن أنها معركة الدولة مع الإرهاب كما أوهمونا، كلاهما يحاول أن يقنعنا بكثرة "الزن" والترديد، أن 30/6 مثل 25 يناير، وأن الجيش تدخل في 30/ 6 مثلما تدخل في 25 يناير، وأنه ما كان لـ30/6 أن تنجح سوى بالعسكر، وأنه لا يصلح آخر هذه الثورة إلا بما صلح به أولها !!
إن أهم ما نجحت فيه ثورة يناير هو إسقاط كل شرعية سوى شرعية الناس وإعادة بناء كل مفاهيم السلطة والدولة المركزية وفقا لهذه الشرعية، وهذا هو الدرس الذي وعاه رجال مبارك، ولم يستوعبه مكتب الإرشاد، ولهذا كان لزاما على الثورة المضادة أن تنتزع شرعيتها الشعبية لعودة الدولة القديمة بكل مفرداتها وشبكة مصالحها وامتيازاتها لفئات اجتماعية دون أخرى، ولم يكن أمامهم من طريق سوى استمالة الناس – وأولهم الثوار أنفسهم - والمرور من خلالهم إلى عمق الدولة من جديد، وما أسهل أن تفعل ذلك وعلى رأس السلطة فصيل رجعي، لا يحمل رؤية ولا هدفا سوى التمكين، ولا يملك من الخبرة في إدارة الشأن العام ما يملكه من يديرونه منذ أكثر من 60 عاما ويراكمون فيه خبراتهم، وبه أرصدتهم في البنوك.
وبدأت معركتهم منذ اليوم الأول، وفي أيديهم كل مفاتيح الدولة: الجيش، الشرطة، القضاء، الإعلام، ولا يمنعهم عن الانقلاب سوى الناس، الناس الذين أحسنوا الظن بمرسي وجماعته وأيدوهم في ست استحقاقات انتخابية فخذلوهم وخذلونا وآل الأمر إلى ما نحن فيه الآن: عاد الفلول على أكتاف ثورة طائشة، وبمباركة بعض الثوار نكاية في الإخوان، وصار لزاما علينا أن نؤمن ونحن عميان أنها ثورة مثل يناير، لها ما ليناير من الشرعية، وكل من لا يقر بذلك فهو عميل وأجير وخادم ومخنث، وقطري، وإيراني، وما شئت من أكاذيب نجحوا في بثها عبر شاشاتهم واستغلوا حالة الاحتقان والاستقطاب التي خلقوها خلقا كي يمرروها فتصير وقائع مصدقة، وأسس مرحلة جديدة من بناء الدولة!
فهل كانت يونيو ثورة حقيقية؟
دعني أذكرك بنقاط هامة تخص ثورتنا التي يجري الانقلاب عليها الآن وهي ثورة يناير:
- نزل شباب الثورة في 25 يناير ضد نظام مبارك، وخاضوا معركتهم في اليوم الأول مع جهاز الشرطة إلى نهايتها قبل أن يتم فض الاعتصام بالقوة.
- عاد الشباب إلى الميادين في 26 و27 يناير، ودارت بينهم وبين الشرطة مطاردات كان من آثارها القبض على بعضهم وإيداعه السجن.
- نجح الشباب في الأيام الثلاثة أن يصلوا بهتافاتهم إلى كثير من الشرائح الاجتماعية وأن يدفعوهم للمشاركة في جمعة الغضب.
- انسحبت الشرطة، وشكل الأهالي لجانا شعبية، ولعبت الدولة بكل ما لديها من كروت للحفاظ على مبارك، فاستخدمت كل النوافذ الإعلامية للإيهام بأن الثوار عملاء، ولديهم أجندات خارجية، ومنحلون أخلاقيا، واستخدمت في ذلك كل ما لديها من أنصار ومخبرين وعملاء أمن دولة: شيوخ وفنانون ومذيعون، ومحللون سياسيون، وبلطجية ولم ينجحوا.
- بدأت الدولة في التنازل، وظهر مبارك متوسلا وأعلن أنه لن يترشح، وأنه سيغير الحكومة، ويستبعد رموز الفساد، وأولهم ابنه، ويفوض سلطاته، لم يأت هذا دفعة واحدة لكنني أحاول المرور الخاطف على الملامح الأساسية لثورة حقيقية بكل ما تحمل مفردة الثورة من معنى.
- حاول مبارك أن يظهر في موقف العجوز الذي لا يريد سوى الخروج المشرف فلم يفلح، حاول استعطاف المصريين فلم يفلح، أرسل رجاله للتفاوض فعادوا خائبين، واستمرت الثورة.
- لم يكن أمام مبارك سوى استخدام مزيد من العنف إزاء صلابة الشباب، وكانت موقعة الجمل بكل تفصيلاتها التي تعرفها والتي كانت بمباركة أمن الدولة وتحت عين الجيش الذي سمح بدخول الخيول والجمال إلى ميدان التحرير كما شاهدنا بأنفسنا.
- ظل الجيش على ولائه لمبارك حتى الرمق الأخير: الثوار أمام القصر، يشتعلون غضبا، وسيقتحمونه حتما وقد أثبتت التجربة أنهم على استعداد لتقديم ما شاءت الثورة من شهداء كي يعبروا بحلمهم، وستغرق المركب بمن فيها ولا حل سوى التدخل: بقاء مبارك في هذه اللحظة لم يكن يعني سوى غرق الجميع: فإما هو وإما نحن: هنا تدخل المشير طنطاوي رجل مبارك وظله لا ليحمي الثورة، أو يحقق إرادة الشعب، وإنما ليحمي نفسه من الثورة ومن الشعب، وسقط مبارك.
هذه هي ملامح الثورة التي أبهرت العالم، هذه هي الثورة التي واجهت كل أجهزة الدولة من جيش وشرطة وإعلام وبلطجية، ونجحت.
فما رأيك هل كانت 30 / 6 ثورة؟
لقد خرج المصريون في 30/6 لإسقاط الإخوان تحت رعاية الجيش والشرطة والقضاء، والتشجيع الإعلامي، خرجوا في أجواء كرنفالية يتلقون زجاجات المياه من الجيش الذي يحميهم ويحتفل معهم ويرسم لهم بطائراته قلوبا في السماء، ولم يستمر ذلك سوى ساعات قليلة قبل أن يخرج الفريق السيسي ليعلن انحيازه لإرادة الشعب، شفت الحلاوة؟!، ثورة في سطرين، يخرج الناس تحت حماية الجيش والشرطة ويسقطوا النظام و"يروحوا"!
وهنا ينقسم المصريون وتخرج الملايين المضادة لتواجه الجيش والشرطة وتعتصم في الميادين 45 يوما، وتنادي بعودة مرسي وتصدر كل الخطابات السلمية وغير السلمية، وتصعد بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة ومع هذا لا يستجيب السيسي، ذلك لأن الشعب هم حبايبنا الذين غرر بهم – وكاتب السطور منهم - فنزلوا مع شيوخ مبارك وفنانيه وإعلامييه وكل خصوم ثورة يناير الذين أدركتهم التوبة فجأة فانصاعوا لنداء الحق، وشاركوا الثوار!
والآن هم يريدوننا أن نقر بأن هذا العبث كان ثورة استجاب لها الجيش فخلع النظام المستبد وأعاد السلطة إلى الشعب، بيد أنه فشل بعد أيام قليلة في تفعيل مطالب الثوار، بأن يشغل البرادعي منصب رئيس الوزراء بصلاحيات رئيس الجمهورية، لماذا؟ (أصل حزب النور رفض!)، وعليه فإن القائد الذي استجاب لإرادة الملايين، وحرر مصر والمصريين، "جاب ورا" لأن حزب النور رفض!
"معلش"، الجيش آسف يا جماعة، لن يستطيع أن يضع البرادعي على رأس الدولة، ليس لأن البرادعي سيحافظ على مكتسبات الثورة وسيحميها من عودة الفلول - لا سمح الله - ولكن لأن حزب النور رفض!
هؤلاء هم العسكر الذين يدعي المغفلون أنهم حماة الثورة، وما هم سوى رجال دولة مبارك، وسدنتها:
- يريد الثوار البرادعي على رأس الدولة، فيتم تأخيره إلى منصب يكاد يكون شرفيا.
- يوافق البرادعي على دخول المشهد بأية صيغة كي لا تختطف الثورة، فيجري تهميشه عن صناعة القرار.
- يحاول إدارة ملف الاعتصام بآليات سياسية تنقذ البلاد من خسائر الأرواح والمرارات التاريخية الكفيلة بإغراق المجتمع كله في مستنقع الانتقام والعدوات المتأججة، فيأبى العسكر إلا أن يتحول المشهد كله إلى بركة من الدم، كي يكون الدم ذريعة للحرب على الإرهاب، ويكون الإرهاب ذريعة لعسكرة الدولة، فتأتي حركة محافظين من العسكر، ويقال أول رئيس مخابرات من داخل الجهاز ويعين آخر من العسكر، وتأتي حكومة من زمن لا يعرف للدولة شكلا سوى تحت سيطرة العسكر، ويهلل الطبالون في جرائدنا و على شاشاتنا للعسكر، وتخرج المبادرات الشعبية تطالب السيسي بأن يكمل جميله، ويرشح نفسه كي تعود الدولة بأكملها إلى العسكر، بل ويبلغ العبث حد أن تغني مطربة سبق أن غنت لثوار يناير من كلمات العسكر!!!
هم الآن يستردون كل مفاصل الدولة، ولا يقلقهم الناس في شيء فهم بين مصدق وخائف، إنما يقلقهم ثوار يناير، فتتحرك الدعاوى القضائية ضدهم، ويخرج من يصفهم بالخونة ، ويروج لعمالتهم السياسية، في مقابل بطولة مبارك بطل الحرب، وحقه في الترشح للرئاسة، وحقه علينا في الاعتذار، وحتمية العفو عنه، ويتحول الثوار إلى عملاء والفلول إلى شركاء الثورة الجديدة، ويتوارى كل أثر لثورة يناير وشهدائها ومكتسباتها، ويجري تسويق كل هذا وبيعه للناس تحت ذرائع الحرب على الإرهاب والقضاء على الإخوان والانتصار للدولة، وكل شيء يهون من أجل الدولة:
فليس المهم الحريات، المهم الدولة.
وليس المهم الديموقراطية، المهم الدولة
وليس المهم التعددية، المهم الدولة
وليس المهم حرية الرأي، المهم الدولة
وليس المهم حقوق الإنسان، المهم الدولة
وليس المهم العدالة الانتقالية، المهم الدولة
وليس المهم محاكمة الفاسدين، المهم الدولة
وليس المهم القصاص للشهداء،المهم الدولة
وليس المهم مطالب الشباب، المهم الدولة
وليس المهم ثورة يناير التي يصفونها في جرائدهم الآن بأنها نكسة يناير، المهم الدولة
بل، وليس المهم أن كل ما سبق هو الدولة، المهم الدولة!!
ذلك لأن ما يقصدونه ليس "الدولة" بألف ولام "العهد"، وإنما الدولة التي قامت على "الغدر" بالمصريين ونهب ثرواتهم، الدولة هنا دولة مبارك التي يبيعونها للناس في زجاجات الوهم بوصفها الدولة المصرية التي ضيعها الإخوان وهم يحاولون استردادها!!
هكذا تبدو المعركة كما لو أنها بين الجيش الذي ينحاز إلى الدولة ، وبين الإخوان الذين ضيعوا الدولة، وتختفي ثورة يناير، كأن لم تكن.
أخيرا: لا يتعلق الأمر الآن بالإخوان، إنما بتصحيح خطاياهم التي تسببت فيما نحن فيه ، نحن مضطرون للتأكيد على هذا رغم وضوحه وبداهته نظرا لسيطرة وكلاء النظام السابق على المشهد وترديدهم المستمر لخرافة أن من يقف في وجه دبابات العسكر فليس سوى عميل للإخوان!
مصر الثورة توشك أن تنتهي لصالح مصر مبارك، وسواء حكم الجنرال، أو جاء بمن يحكم بالوكالة، فنحن ندفن آخر ما تبقى من ثورتنا في وحل التاريخ، بدعوى التخلص من الإخوان، فليذهب الإخوان إلى الجحيم ولكن لن تعود دولة مبارك لتحكمنا عبر أمراء الدم، ومفوضيهم.
وأقول لكم: ما لم ننزل الآن ونواجه هذه الردة، ونطالب بحكومة ثورة، برئاسة شخصية ثورية محل اتفاق، وانتخابات رئاسية مبكرة "حالا" وعودة العسكر لثكناتهم "حالا" فلن تقوم لنا قائمة، وسنظل في متاهة التاريخ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أو يستبدلنا ويأت بثوار حقيقيين.
ملحوظة: كتبت هذا المقال على حسابي الشخصي على الفيسبوك في 29 أغسطس 2013 في وقت لم يكن لهذا الكلام مكان في أي جريدة مصرية، وجادلني بعض من أثق بهم في أن رؤيتي تحمل الكثير من المبالغة والتزيد والتربص بمؤسسة الجيش، مرت 5 أشهر ونحن الآن على أعتاب استفتاء على دستور فاشيستي انفرد بكتابته فصيل واحد، وتواطأ على تمريره كل أجهزة الدولة العميقة وأذرعتها الأمنية والإعلامية وسقطت الأقنعة عن كثير ممن كنا نظنهم أوفياء لهذا الوطن ولثورة شبابه على دولة العسكر .. فهل نتراجع، ونفهم؟
0 التعليقات:
Post a Comment