النهارده الخميس ٦ فبراير ٢٠١٤..كان أول يوم أعيش تجربة الزيارة في السجن اللي بيعيشوها آلاف الأسر المصرية واحنا ما نعرفش عن ألمهم ومعاناتهم حاجة، بعد ترحيل خالد وناجي والشباب اللي معاهم من يومين، وبعد محاولات بحث طويلة عشان نعرف رحلوهم فين، عرفنا انهم في أبو زعبل، وجبنا إذن تصريح ليا ولزوجة ناجي وياسمين حسام محاميتهم .
وصلنا عند السجن الساعة 9ونص الصبح، لقينا طوابير طويلة ومئات من أسر المعتقلين والمحكوم عليهم في انتظار الدخول.
وطابور السيدات طبعا وبطبيعة الحال هو الأزحم وفيه أطفال كتير جدا، والسيدات في حالة من البؤس الشديد والغالبية العظمى منهن من الأقاليم، جايين من مشوار سفر طويل وموجودين من الفجر شايلين معاهم أكل وإعاشة لأبنائهم وأزواجهم، وقدرت أتخيل ازاى ممكن تكون تكاليف مشوار الزيارة والإعاشة عبء مادي تقيل وشفت بعينى أجسادهم وأنفسهم المنهكة.
ومن الناحية التانية شفت العساكر على البوابة ومعاملتهم للأهالي بمنتهى الإهانة والمتعة فى عنيهم بممارسة السلطة اللي في إيديهم، وكل شوية ييجوا ستات شكلهم-اهالى تانيين لمساجين تانيين- يعدوا من قدام الطابور ولما ستات الطابور الغلابة –او اللي ماعندهمش واسطة- يعترضوا كانوا يبدأوا وصلة خاصة من الإهانات والتجريح، وكملتها واحدة من الستات “الشيك” ووضحت:أنا أقف في وسطكم ازاي؟ انتم أصلا ناس بيئة!، وطبعا كان لازم يدخلوا قبلهم.
بعد تعذيب الانتظار والإهانة وأوجاع الناس اللى مشاركاك نفس الطابور، وصلنا باب التفتيش الساعة 12 ظهرا، وكسيدات دخلنا لغرفة التفتيش الذاتي، واللى شفنا فيه جنب إهانة الكرامة إهانة اكبر لأجسامنا، سألنا فين المسجونين السياسيين، قالولنا مع الطلبة في السجن المشدد، وهناك سألنا على أسماء خالد وناجي، وقالوا: آه موجودين هنا وأخذوا أسامينا.
بعد ساعة، دخل عسكري ينده على الناس اللي ليها زيارة، وقف على ترابيزة عالية وعيون الأهالي كلها متعلقة بالورقة اللى فى إيده، لكن كوباية شاى فى إيده التانية كانت اهم بكتير! اتجمع الأهالي حواليه وكلهم وجع ولهفة ومحاولة للصبر على المرحلة الاخيرة من الانتظار والاهانة.. ومع كل شفطة شاى اسم او اسمين وياخد شفطتين شاي على مهله وبعدين إسم كمان وشفطتين كمان وهكذا، ولما الأهالي يعترضوا ويستعجلوا أسماء ولادهم، يتضايق “الباشا” ويقوللهم: خلاص مافيش زيارة خالص.
وتبدأ مرحلة الإنتظار الأخيرة،،
في مكان الانتظار- اللي احنا قاعدين فيه- معظم الموجودين واضح انهم ناس متاخدين من بعد 30/6، وللأمانة معظمهم من اللي ممكن بيتصنفوا “ظاهريا” بإنهم بينتموا للإسلام السياسي، لكن انا عينيا ما كانتش قادرة تشوف غير أمهات وزوجات وبنات مصريات قلبهم محروق على أهلهم المعتقلين.
أب راح يسأل على إبنه، فسأله الضابط: سياسي ولا جنائي؟ فرد الأب: سياسي إيه وجنائي إيه باقول لك إبني طالب في الأزهر. وأب تاني قال ان الضابط بيقول له: احنا بس جايبين إبنك هنا يومين يتربى وحنطلعه. الأب قال له: تفتكر أنا أو أي حد حيعرف يحكم الولد ده بعد اللي شافه عندكم؟

واخيرااا، على الساعة 4 العصر لما حاولنا نشوف أسماء خالد وناجي في آخر كشف زيارة، اكتشفنا انهم في سجن تاني( ليمان 1)!!
طلعنا نجري على هناك عشان نلحق قبل معاد الزيارة ما يخلص، وهناك سألنا الضباط: مين اللي جاي تبع “بتوع السياسة”؟
نزل ناجي الأول ودخلتله زوجته هبة والمحامية ياسمين، وكان واضح من بعيد انه شكله منهك جدا،ومش ناجي اللي انا أعرفه؛ حلقوله شعره زيرو مش زي الجنائيين، ورفضوا يدخلوهم غرفة الزيارة،ووقفوا بيهم بره،ومعاهم ضابط واتنين مخبرين، استلموا منهم حاجات الإعاشة اللى كانت معاهم،ورفضوا يقف مع مراته أو حتى المحامية اللي المفروض من حقها قانونا تتكلم وتشوف موكلها على انفراد.
بعد كده نزل خالد وأنا دخلتله… أول ما دخلت،و رايحة اسلم عليه، الضابط وقفني وقال لي: تعالي هنا، انتي اتفتشتي؟، قلتله:آه فتشوني وانا داخلة، قال: لأ،تتفتشي تاني ذاتي هنا.
ورحت اتفتشت تاني نفس التفتيش المهين، بعدها شفت خالد، ويا ريتني ما شفته؛ شكله تعبان ومش قادر يتكلم،و منطقش ولا كلمة، ولما سألته: حد عمل فيك حاجة؟عايز تشتكي من حاجة؟… ما ردش عليا، طيب ناقصك حاجة؟ أجيبلك حاجة؟….. برضه ما بيردش.
النظرة اللي في عينيه حسستنى انه في التمانية واربعين ساعة اللي فاتوا شاف حاجات غير آدمية! مقدرتش أشوف ضرب او إصابات واضحة فى وشه، لكن حالته بتخلينى أتأكد انهم اتعرضوا لضغوط وانتهاكات .
الضابط قال:مش يالا كفاية كده مع السلامة.
ماكنتش كملت معاه دقيقتين، وبصيت على الكيس اللي فيه حاجته لقيت كل حاجة مفتوحة ومتبهدلة والعيش متفرول ومفتفت ولا يمكن يتاكل.
وانا خارجة سامعة واحدة من زوجات الجنائيين المحكوم عليهم اللي هما بسبب زيارات السياسيين اتأخروا الحقيقة، بتقول: انا عمري ما شفت يوم زيارة زحمة كده، ده باين تلات أرباع مصر محبوسة!
خرجت وانا مش عارفة آخد نفسي ووضحت تماما بالنسبة لي ملامح المرحلة اللي احنا فيها، طول عمرنا بنشوف الظلم حوالينا وبنتقطع وبنتعاطف مع اللي بيتظلم، سواء المظلوم أو أهله، لكن كله كوم وانك تشوفه في أقرب الناس ليك كوم تاني. التعذيب اللي سمعت عنه من الأهالي اللي كانوا موجودين تعذيب ما بيسيبش أثر جسدي، زي انهم يقلعوهم هدومهم ويغرقوهم مية، ويسيبوهم نايمين في الساقعة بالليل، واللي بيضربوهم ويبان عليهم الضرب يصوروهم مع الحرز عشان يدعوا انهم “بلطجية”.
والتعذيب النفسي ان خالد وناجي يحضروا حفلات تعذيب على آخرين، وهما مغميين عينيهم وفرض إحساس الذنب عليهم ان الناس دي بتتعذب بسببكم يا بتوع الثورة، وكأن التعذيب مبرر ومش جريمة! وكأن الثورة قامت عشان الناس تتعذب لما تعترض على الظلم مش عشان تحررنا من الظلم!.

انا عرفت خالد في الميدان و حبيته وارتبطت بيه وانا شايفاه بيشتغل علي الارض و عارفه أولوياته كويس، ومن شهرين اتجوزنا و نقلنا علاقتنا لمستقبل بنبنيه مع بعض و انا برضه عارفة كل ده.
انا بحب خالد و فخورة بيه وبمواقفه وبكلامه وثقتي فيه مالهاش الحدود.
خالد حبيب وزوج، لكن كمان مناضل باتعلم منه و باحترمه.
خالد هو مصدر قوتي و صلابتي، وهو اللي دائما بيشحن بطاريتي الثورية لما بتفضي.
حبس الداخلية لخالد ظلم مصدر فخر ليا قبل ما يكون ليه، ومهما عملوا لا هو هيبطل يناضل، ولا انا هبطل احبه و ادعمه و اناضل على قدي برضه.

الحرية لكل المحبوسين باطل، وبالذات اللي محدش يعرف عنهم حاجة.
ربنا يصبر كل اب و ام. كل زوج و زوجة, كل ابن و بنت, كل اخ و اخت, كل صديق و صديقة. كل حبيب وحبيبة،
و يقدرنا نكمل المشوار.

1 التعليقات:

  1. ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون
    صبرا كما أن لكل ليل فجر
    فلكل ظلم نهاية
    ولكل ظالم عقاب ، إن لم يكن في الدنيا
    ففي الآخرة
    أسأل الله أن يصبر أسرة كل مظلوم
    شهيد أو معتقل في سجون الظالمين

    ReplyDelete

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -