أطفال بوجوه بائسة ذات لون أسود لا يعرفون معنى الطفولة لكنهم يعرفون معنى الجري وراء الرزق بل التحايل عليه للحصول على ما يقرب من 200 جنيه أسبوعيا.

الأطفال العاملون بورش ومصانع الألومنيوم بمركز ميت غمر بالدقهلية والتي تكاد تخلو من البطالة بسبب تلك الصناعة التي يعمل بها معظم أهل المدينة حتى أصبح صوت الطرق على الألومنيوم والدخان الناتج عن صهره وتشكيله هي الطابع المميز لشوارع المدينة وأروقتها.

في جولة استمرت ما يقرب من 4 ساعات عايشت خلالها "مصر العربية" أطفال تلك المهنة وهم يقهرون ويصهرون الألومنيوم ويحولونه إلى أوانٍ بلا كمامات أو جوارب وتتحدث أيديهم عن ذلك بوضوح؛ فمنهم من أصيب بيده وآخر تبدلت يداه للون الأسود بسبب نيران تلك الصناعة.

في بداية الجولة التقينا بـ"أحمد البالغ من العمر 16 عامًا والذي أكد أنه يعمل بهذه المهنة منذ ما يقرب من 5 سنوات ولم يكمل تعليمه وفضل الاعتماد على نفسه حيث يبدأ يومه من التاسعة صباحًا فيرتدي زيًا قديمًا للعمل ويتجه إلى الورشة وينتهي عمله بها في الرابعة عصرًا ماعدا يوم الجمعة والذي يمثل العطلة الأسبوعية له.



هذه المهنة لم تمنع براءته من الأحلام والطموحات لكنها متعلقة أيضًا بالمهن حيث قال: "نفسي يبقي معايا فلوس كتير ولما أكبر اشتري ورشة زي دي" وحاول أن يظهر على ملامح طفولته التي مازالت واضحة بوجهه أنه مستمتع بتلك المهنة قائلاً: يعني اللي اتعلموا أخدوا ايه انا باخد 200 جنيه في الأسبوع".

وفى الجولة التي أصر أحمد على التواجد معنا بها خوفًا من أن يعترض طريقنا أحد أو نتعرض للمضايقات قابل صديقه طاهر البالغ من العمر 15 عامًا والذي يعمل أيضا بمصنع للألومنيوم لكنه لم يتمكن من الحديث مطولاً خوفًا من صاحب المصنع فهو عليه الالتزام بالمواعيد وإلا تعرض للعقاب.

واكتفى طاهر بقوله إنه ترك التعليم منذ زمن بعيد وقامت والدته بالاستعانة به ودفعه للعمل للمساهمة في أعباء المنزل المادية فهو يحصل أيضا على200 جنيه أسبوعيًا يأخذ منها 50 جنيهًا ويعطي الباقي لوالدته وأوضح أنه يستغل يوم الجمع لمقابلة جيرانه وأصدقائه والتجمع ولعب الكرة والبلي فهو يحبهم كثيرًا.

وبنهاية الجولة التي لم تستمر أكثر من ذلك لخوف الأطفال لتعرضهم للعقاب من صاحب العمل إذا رصدهم وهم يرافقون شخص غريب عن المدينة وقابلنا يوسف البالغ من العمر 10 سنوات وكانت ملامح الطفولة هي سيد الموقف فكان يلهو ويلعب أمام الورشة التي يعمل بها وذلك لأنه يعمل منذ 48 ساعة فقط فلم يعرف حتى الآن قواعد العمل الصحيحة ولم نعرف أيضا إن كان سيحب تلك المهنة أو يبغضها ويطلب العودة لمدرسته مرة أخرى.

التقينا أحد أصحاب المصانع والذي طلب عدم ذكر اسمه خوفًا من مخالفته بتشغيل الأطفال وقال "إن الأهالي هم من يأتون بأولادهم للعمل بالورش ليتغلبوا على مصاعب الحياة والغلاء المستمر مشيرًا إلى أن عمالة الأطفال تبدو واضحة لأن معظم أصحاب الورش أو المصانع يفضلون الاعتماد على الأطفال الذين يقدرون بالقيام بالمهام التي يقوم بها الكبار ولكن بتكلفة أقل، مشيرًا أن أجر الطفل 200 جنيه أسبوعيًا في حين يحصل العامل الكبير على500 جنيه وهو يقوم بنفس المهام فيما عدا مرحلة واحدة لا يمكن للأطفال القيام بها وهي مرحلة تشكيل الأواني التي تحتاج لمهارات معينة.


من جانبه قال وليد نصر المحامي الحقوقي إن عمالة الأطفال جريمة يعاقب عليها القانون ويجب أن يطبق القانون هنا بشدة على الأهل أولا فهم من يسمحون لهؤلاء الأطفال بترك التعليم والعمل من الصغر، مشيرًا إلى أن صناعة الألومنيوم تعتبر من الصناعات المعقدة وبها العديد من المخاطر على الأطفال خاصة.

وأضاف أن تلك الظاهرة تعد مرتفعة بالصيف وشهور الإجازة المدرسية بينما تختفي أو تقل بالشتاء مع بداية الدراسة، مشددًا على ضرورة الاهتمام ببرامج التوعية للأهل الذين يدفعون بأبنائهم للعمل في هذه السن المبكرة والاهتمام بتعليمهم.

ويصل إنتاج مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية 75% من أجمالي إنتاج الجمهورية من أواني الألومنيوم، حيث يوجد بالمدينة حوالى 30 مسبكًا وتضم 300 مصنع وورشة تشكيل يعمل فيها حوالى30ألف عامل.



مصر العربية

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -