بالأمس، وبعد قراءتهم لدعوتى للمجموعات وللأصوات الديمقراطية للاشتباك مع الحياة والبحث عن دور فعال يمزج بين أجندة الحقوق والحريات وبين الهموم الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية للمواطن وضرورات التنمية دون انتظار لسياسة أميتت ودون كثير اهتمام بمشاهدها الانتخابية منقوصة الجدية والتنافسية، تواصل معى بعض الأصدقاء والزملاء وأبلغونى (بكلمات كادت تكون متطابقة) أنهم فسروا دعوتى على أنها مقدمة لانسحابى من السياسة أو لاعتزالى العمل السياسى أو للتوقف عن طرح قضايا الديمقراطية وانتهاكات الحقوق والحريات فى كتاباتى الصحفية، وطالبونى بإعادة النظر فى الأمر وعبروا عن تضامنهم معى ومع المجموعات والأصوات الأخرى المدافعة عن الديمقراطية وإدراكهم للصعوبات الشخصية والمهنية والعامة التى نتعرض لها.

وقد أشعرنى الحديث مع هؤلاء الأصدقاء والزملاء (وأشكر الله على استمرار قربهم الصادق وودهم الأمين واحترامهم لمحاولتى الاتساق مع المبادئ والقيم التى أؤمن بها حتى وإن اختلفوا معى فى تقدير الأحداث والأوضاع المحيطة بنا) أن لبسا ما حدث فى قراءة مقال الأمس، وأن واجبى تجاههم وتجاه القراء الكرام هو إجلاءه وتوضيح حقيقة موقفى.

فلم تكن دعوتى للاشتباك مع الحياة وللتفكير فى مبادرات تنموية محددة مقدمة للنكوص عن الدفاع عن الحقوق والحريات بالقول والفعل ما استطعت إلى ذلك سبيلا. ولم يكن من بين أهدافها البحث عن مخرج لى من وضعية المعارضة المتصلة لترتيبات ما بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ وللابتعاد عن مسار التحول الديمقراطى. ولم يدفعنى للتشديد على ضرورة الاقتراب اليومى من المواطن ومن همومه وحتمية الإسهام الأهلى / الشعبى / غير الحكومى فى الحد منها لا إرهاق شخصى بسبب القيود التى فرضت على خلال الأشهر الماضية نظرا لرفضى الانصياع للرأى الواحد وللصوت الواحد ولسطوة خطابات الكراهية والمعايير المزدوجة، ولا رغبة شخصية فى تجنب المزيد من القيود والمخاطر فى قادم الأيام.

بل على نقيض ذلك تماما، زجت بى محاولة تشريح الأسباب المختلفة لخروجنا عن مسار التحول الديمقراطى ولتصاعد انتهاكات الحقوق والحريات وللترويج المستمر من قبل الحكم / السلطة لمقايضة الخبز والأمن بالحرية إلى تحليل إخفاقات المجموعات والأصوات المدافعة عن الديمقراطية وإعمال النقد الذاتى فى أجندات عملها والاستراتيجيات والأدوات التى توظفها. وقد قرأت، للاستنارة وللاستفادة، عن خبرات ومراحل ولحظات مشابهة مرت بها مجموعات وقوى ديمقراطية فى دول ومجتمعات أخرى وبحثت فى تفاصيل فعلهم حين تراجعت أجندة التحول الديمقراطى وحدثت انتهاكات للحقوق وللحريات وحين ضغطت دوائر الحكم / السلطة / النخب الاقتصادية والمالية والإعلامية المتحالفة معهم على الديمقراطيين ودفعتهم إلى هوامش الحياة العامة. ومن بين الاستراتيجيات / الأدوات التى وظفتها بنجاح المجموعات والأصوات الديمقراطية فى بعض دول ومجتمعات أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا جاء الاشتباك مع الحياة والاقتراب اليومى من المواطن بمبادرات تنموية فى الصدارة، ولم يقتصر أبدا فعلهم على تبنى أجندة الحقوق والحريات الشخصية / المدنية / السياسية أو على مساعى التوعية البديلة والإعلام البديل لمواجهة سطوة الرأى الواحد والصوت الواحد ولتجاوز احتكار الحكم / السلطة للمعلومات والتورط المستمر فى تزييف الحقائق.

ليست، إذن، الدعوة إلى المزج بين أجندة الحقوق والحريات وبين التفكير فى مبادرات تنموية وتنفيذها بجهود شعبية / أهلية / غير حكومية بمقدمة للنكوص عن معارضة ترتيبات الحكم القائمة أو عن رفض الانتهاكات. هى ليست، أيضا، بانسحاب بوجاهة من السياسة أو العمل السياسى، فأنا من الذين يرون أنه لا سياسة فى مصر اليوم ولا عمل سياسى حقيقيا. ولست فى وارد الصمت والانزواء للتخلص من قيود قائمة بالفعل أو لدرء قيود أو مخاطر قد تكون قادمة. بل هى محاولة للبحث عن دور فعال يتجاوز حدود الفعل اللفظى، ويبنى قبولا شعبيا لأجندة الحقوق والحريات عبر الاشتباك مع هموم الناس وحياتهم وإقناعهم أن الترابط بين أهداف الخبز والأمن والحرية لن يمكن من تحقيق أيهم بمعزل عن الآخرين، ويؤسس للمجموعات وللأصوات الديمقراطية لرأسمال اجتماعى (أو مجتمعى) يباعد بينهم وبين التعرض لحملات التخوين والتشويه المستمرة ويقربهم من المواطن عبر المزج بين التوعية بخطورة غياب الحق والعدل والحرية وبخطورة الرأى الواحد والصوت الواحد وبين العمل الجاد لمساعدة الناس على تحسين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية دون انتظار لسياسة أو انتخابات أو أبطال.

غدا هامش جديد للديمقراطية فى مصر.


0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -