كنا نعتقد أن الفترة الانتقالية التى أعقبت ثورة يناير تُدار بشكل عشوائى وكنا نختلف مع من يرددون أحاديث المؤامرة وسوء الظن ولكن بعد ثلاثة سنوات مضت نستطيع أن نقول بلا تردد إن الثورة دخلت فى برنامج معد مسبقا لإدارة الأزمة واحتوائها والخروج بأقل الخسائر وإذا كان البعض يرى عدم وجود الكفاءة والمهنية التى تؤهل لتنفيذ ذلك والتخطيط له، فإن الأيام قد تكشف مستقبلا أن ما مررنا به لم يكن تخطيطا محليا منفردا بل كانت هناك أطراف إقليمية ودولية مهدت الطريق لإجهاض ثورة يناير وعرقلة تقدمها بشكل مباشر أو غير مباشر.
هل هناك دلائل على ترتيب المشهد والأحداث خلال الفترة الانتقالية؟
يمكننا العودة لبعض الأحداث التى وقعت عقب التنحى وحتى الانتخابات البرلمانية مع إعادة تأملها وطرح التساؤلات حولها:
أولا: قطع سكة قطارات الصعيد فى محافظة قنا إبان أزمة رفض تعيين المحافظ القبطى، استمر ايقاف قطار الصعيد قبل قنا ما يزيد عن عشرة أيام ولم يتجاوز من قطعوا السكة الحديد ومنعوا عبور القطارات أكثر من خمسة عشر شخص لم تقترب منهم أى جهة بالدولة أو تمنعهم أو حتى تهددهم وبدا كأن الأمر يروق للنظام ووصلت رسالتان فى غاية الأهمية للمصريين الأقباط الذين شارك عدد غير قليل منهم خاصة الشباب فى الثورة وكان مفاد الرسالة وملخصها أن الأقباط لن يكونوا فى أمان مع هذه الثورة وتوالت الرسائل المشابهة فى (أحداث كنيسة صول – دير الانبا بيشوى – أحداث المقطم – كنائس إمبابة – احداث ماسبيرو).
أما الرسالة الثانية فكانت لأهل الصعيد بشكل خاص وللمصريين عامة أن الثورة تعنى تعطيل مصالحكم وأعمالكم وأنها تساوى البلطجة والمستفيد من هذه الرسائل معلوم!.
ثانيا: سلسلة من الأحداث الغريبة منذ مشهد ظهور ضباط 8 أبريل فى ميدان التحرير وإعلان اعتصامهم وما أتبعه من أحداث بدأت تقدم الثوار للشعب كمعادين للجيش وراغبين فى شق صفه ثم وصولا لمشهد ماسبيرو الدامى ثم أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وقنص الشيخ عماد عفت ومحمد كاريكا وعلاء عبد الهادى بطريقة مريبة وظهور الطرف الثالث وحرق المجمع العلمى لتصل الرسالة النهائية للشعب الذى أحب الثورة أن الثورة خراب وقطع أرزاق وانفلات أمنى مستمر يتم ربطه بالثورة مع تصاعد إضرابات عمالية مشروعة وطبيعية بالتوازى مع إضرابات واعتصامات أخرى ظهر بعد ذلك أنها كانت مرتبة بعناية لتأكيد الصورة الذهنية السلبية للثورة وانعكاساتها.
ثالثا: ظهور عشرات الائتلافات الثورية الوهمية التى تتصدى للحديث باسم الثورة والتى لا يعلم أحد من هم أعضاؤها المجهولين الذين تحركوا بشكل مرتب فى اتجاهات مختلفة لتشتيت الاتجاه الثورى وتصويره كاتجاه منقسم على نفسه ولا يستطيع الاتفاق على موضوع واحد وكان من المثير للضحك أن عددا ممن تصدروا هذه الائتلافات المشبوهة ينتمون للحزب الوطنى وبعضهم معروف ولاؤه لجهات أمنية بعينها قبل الثورة وفى وسط الزحام اندس هؤلاء لتشويه المشهد وإضعاف تأثير الائتلافات والحركات الثورية الحقيقية ولم يتحرك الثوار بشكل يتلاءم مع خطورة ما يحدث ونجح مخطط الاغراق فى تشويه الجميع.
رابعا: اعتماد قانون الانتخابات البرلمانية الذى به شبهة دستورية واضحة (والحقيقة أنه أتى أيضا بمطالبة وهوى أغلب الأحزاب) والتى اعتقدت أنه سيتم تحصينه دستوريا بالإعلان الدستورى ليضمن استمرار البرلمان المنتخب ولكن ظل القانون المفخخ شوكة فى ظهر البرلمان وفى الوقت المناسب تمت الإطاحة بأصوات ما يقرب من 30 مليون مصرى أعطوا أصواتهم فى هذه الانتخابات ذات الإقبال التاريخى الذى لم يتكرر حتى الآن وبغض النظر عن كفاءة البرلمان وأغلبيته الدينية إلا أن حل البرلمان – رغم أنه جاء بغطاء قانونى – كان ضربة قاصمة غيرت معادلات القوى.
خامسا: احتضان الإخوان والسلفيين وفتح الباب للإخوان للوصول لسدة الحكم، وساذج من يعتقد أن الإخوان ترشحوا للرئاسة رغما عن المجلس العسكرى ولو كانت السلطة حينها لا تريد وصول الإخوان للرئاسة ما ترشحوا أصلا عبر صفقات وضغوط وتفاهمات تحكم العلاقة بين الطرفين على مدى عشرات السنين والتقم الإخوان الطعم برغبة الطمع والاستحواذ وأوهام التمكين وهم لا يعلمون أن قرار الترشح للرئاسة هو بداية لحظة السقوط المدوى لأن وصولهم للسلطة كان مقصودا بعينه حتى تنتهى أسطورة التنظيم المتماسك الذى أعجب به المصريون كقوة منظمة تمتلك طاقات وقدرات اعتقدت شرائح من المصريين أنها الأنسب لتولى الحكم وأعطتها صوتها طواعية لتبدأ مسيرة الانهيار الدرامى للإخوان.
سادسا: ظهور موجة (الإعلام العوكشى) وحملات الشيطنة والتخوين للثوار بالتوازى مع استثمارات ضخمة فى مجال الإعلام لرجال أعمال موالين لنظام مبارك ورغم الخسارة المادية التى مازالت تلاحق هذه الفضائيات والصحف التى تحولت بعد ذلك لأبواق صريحة للثورة المضادة إلا أنها مازالت مستمرة وهذا يطرح السؤال البديهى من يتحمل هذه الخسارات ويدفع هذه المليارات ؟ ومن يدير هذا المطبخ المستمر حتى الآن؟.
سابعا: إجهاض أية محاولات ومبادرات للإصلاح المؤسسى سواء المؤسسة الأمنية أو الإعلامية والادارية وغيرها من المؤسسات التى امتصت صدمة الثورة وكمن بعضها حتى تهدأ الموجة ثم عاد بشكل أسوأ مما كان عليه؟ من عطل محاولات الاصلاح ومن أدخل الجميع فى المتاهات التى لم تنته؟ ومن المستفيد.
ثامنا: مذبحة الالتراس باستاد بورسعيد والتى مازالت الحقيقة غائبة عن ملابساتها واختيار توقيتها بل واختيار ضحاياها وما أتبع ذلك من أحداث وتطورات تبلور فيها ظهور الطرف الثالث الذى أماط فيلم (المندس) بعض التفاصيل عن خباياه وحقيقة دوره الإجرامى فى أحداث كثيرة اتسمت بالغموض ولم تكن فى صالح الثورة.
نظرية المؤامرة ليست دائما وساوس وأوهام ولكن قد لا تستطيع أن تربط الوقائع ببعضها البعض إلا بعد أن يمر بعض الوقت وتتضح انعكاسات الاحداث ويظهر المستفيدين منها بشكل مباشر ، لكن لا يعنى هذا أن تمارس الندب والعويل ، وتظل تصرخ لقد تآمروا علينا لقد فعلوا كذا وكذا لتخرج نفسك بلا خطأ وتبرر فشلك ، لا مؤامرة تنجح دون أن يساعد فى نجاحها بعض الأغبياء بعدم إدراكهم لها وعدم قطعهم الطريق أمام حلقات المؤامرة ، لقد كنا بعضا من هؤلاء الأغبياء السذج الذين لم يفطنوا للصورة الكاملة وانشغلوا بأجزاء منها وبمعارك فرعية وأكثر من غباء الثوار كان غباء الإخوان الذين أعماهم الطمع وأوهام التمكين ليسوقوا أنفسهم وتنظيمهم للهلاك ويسوقوا الثورة للتعثر ويمهدوا الطريق للثورة المضادة لتفتك بالجميع.
0 التعليقات:
Post a Comment