عفوًا، رصيدنا لم ينفد بعد، قضاء فاسد، يحكم ببراءة سدنة الجريمة، القتلة، الفاسدين، اللصوص، الإرهابيين الحقيقيين على امتداد أكثر من 30 سنة، مبارك، ومن معه، الجميع براءة، وكأن الأرض كانت تمطر رصاصًا في 28 يناير، الإخوان هم من قتلوا المتظاهرين، هم من سرقوا مدرعات الشرطة، ووجهوها صوب الثوار، هم من فتحوا المياه على المصلين على كوبري قصر النيل، لم يعد لهذا العبث مساحة ليمتد في فراغنا، امتلأنا، ومللنا، ونوشك أن ننفجر.
مبارك، هذا الوضيع، بقدر ما أفسد، بقدر ما يجمعنا، يكفي استدعاؤه، وحده القادر على العبور بنا فوق هوة الخلافات، ولو لثلاث ساعات، هم عمر تواجدنا في ميدان عبد المنعم رياض، على أبواب التحرير، أول أمس السبت، الجميع في الميدان، مشهد لم نره منذ 3 يوليو 2013، لكننا سنراه كثيرًا في الأيام القادمة، مبارك لم يكن سببًا، لكنه القشة التي قصمت…
تستدعي العودة إلى الميدان الوقوف على عتباتها، واستدراج بعض الدلالات إلى حيز التشريح:
- خلال ساعات 3 وصل إلى ميدان عبد المنعم رياض ما يقرب من عشرة آلاف متظاهر، لا يجمعهم سوى وجهة واحدة، الغضب، ودعوة على الفيس بوك بالنزول، في غياب كامل للتغطية الإعلامية.
- التليفزيون المصري بعد ساعتين ونصف بدأ الإشارة إلى الحدث على شريط الأخبار: العشرات يتظاهرون في ميدان عبد المنعم رياض اعتراضا على الحكم ببراءة مبارك!
- الاستجابة لدعوات النزول جاءت سريعة ومبهرة رغم التواجد الأمني الكثيف منذ 27 نوفمبر، وتمترسهم، واستعدادهم الكامل.
- الاستنفار، ورفع سقف التوقعات، والإنهاك النفسي والتحليلي الذي تورط فيه الجميع من جراء الدعوة للنزول 28 نوفمبر، لم تنل من عزم الآلاف، نزلوا، واستمروا، وكانوا بصدد اعتصام مفتوح لولا الفض الوحشي بالرصاص الحي.
- الانتشار الكثيف، للبلطجية/ المواطنين الشرفاء، بين الثوار، وفي محيط الميدان، وحوله، وحرصهم على بث الإشاعات بين الصفوف، وإثارة الضغائن، وتوجيه السباب بلسان الإخوان إلى القوى المدنية، والعكس، كل ذلك لم يغنِ عن الاصطفاف شيئًا.
- فوق كوبري مايو وقف العشرات من البلطجية، بين مئات السيارات، رأيتهم بنفسي، يحاولون تخريب جزء من سور الكوبري، وحين يسألهم الناس، يجيبونهم بأنهم ثوار.
- رواية النظام تفيد أن الشرطة لم تتدخل بالفض إلا حين “تأكدت” أن الإخوان “اندسوا” بين “المتظاهرين.
- إعلام السيسي كان حريصًا على الإشارة إلى خلافات بين “المتظاهرين” والإخوان، ورفض “المتظاهرون” تواجد أفراد “الجماعة” بينهم، المكتوب على جبينهم أنهم إخوان بطبيعة الحال.
- عزل الإسلاميين عن الحراك، ومحاولة الإيقاع بين الفصيلين الأكثر خطرًا على النظام كان هدفًا أساسيًا منذ اللحظات الأولى، لا يهم أن يتظاهر الآلاف، ولا يهم أن ننعتهم بالمتظاهرين، المهم ألا ينضم إليهم الإسلاميون، فليتظاهر كل فصيل على حدة.
- فشلت كل المساعي، ونجح الشباب في تأكيد عودتهم للميدان، ساعات ثلاث بنكهة الـ 18 يومًا، رائحة الثورة تخالط هواء الشتاء، في ميدان التحرير.
- في اليوم التالي، بدأت محاولات جديدة لاستدعاء الخلاف وتأجيجه من أصوات محسوبة زورًا على التيار الديمقراطي، تتبنى رؤية النظام في الترويج لحتمية عزل الإسلاميين، وتحقيق التطهرية الثورية، وتنقية الصفوف، والوصول إلى الديمقراطية “النظيفة”، فالدفء المنشود لن يتحقق إلا بالوقوف “ملط” في ليل أمشير.
- ما زلنا في قلب المخاض، بين مؤيد للرجوع، واستنساخ اللحظة الينايرية، أو تفضيل الحكم العسكري، والفاشية، والقمع، والاعتقال، والتهجير القسري، والمستقبل الأسود على مجرد الوقوف إلى جوار الإخوان في ميدان واحد، البعض قال ذلك صراحة دون خجل.
- الحدث بملابساته، وما تلاه من بيان لشباب الإخوان، يرى البعض أنه جاء ردًّا على بيان سابق له بأيام قليلة تبنته بعض أنصاف القيادات في الخارج، كشف عن تشكل تيار ثالث داخل صفوف الجماعة يتجاوز ثنائية المحافظ والإصلاحي، إلى “الثوري”، صف شبابي عشريناتي تشكل فوق نار الأزمة، وفي القلب من آتونها المشتعل، ونحتت التجربة ملامحه، فكرًا، وخطابًا، وممارسةً، بيان النقاط العشر، جدير بالتوقف كثيرًا أمام وعي الشباب الجديد داخل الجماعة، والتخلص من الكثير من الأساطير المؤسسة للخطاب المدني عن الإخوان والتي تتلخص في أن الجميع يشبه الجميع، مصبوب في قوالب خيرت الشاطر، سوداوي، ومقرف، ورجعي، ومعطل، ولا أمل فيه، وهي خرافات تتجاوز الواقع الآني، إلى مجافاة الواقع الإنساني كله، وتحكم جزافًا واعتباطًا على آلاف من البشر، من 4 أجيال مختلفة، أنهم جميعًا سواء.
تعود الهتافات بسقوط العسكر، لا مرسي، ولا غيره، سقوط العسكر وكفى، يخبرني صديقي الإخواني أنه سمع شتيمته بأذنه لكنه سكت ابتغاء نجاح اليوم: “كنا كثيرًا، كان يمكنني الرد، لكن لا شيء يساوي أن ننجح، لو طلبوا إلي أن أشتم الإخوان معهم لفعلت، أن أشتم نفسي لفعلت، لو يشفي الصدور، ويربط على القلوب أن يشتمونا فليفعلوا، اشتمونا يا محمد، لكن لا تتركونا، لن تنجحوا دوننا، ولن ننجح دونكم، تعالوا ننجح، ونستفيد من تجاربنا”.
أقف مذهولًا أمامه هو شخصيًا، وأنا الذي لم أعهده إلا متعاليًا بفصيله، الذي لم يخلق الله له ندًّا، لكن الناس تتغير، بعضهم يفعل، ويعيش.
يسقط حكم العسكر … قنابل الغاز، الرصاص، يموت أحدنا، لا يعرف الرصاص إخوانيًّا من يساريٍّ، لا فرق، الموتى سواسية أمام الموت، لكننا هنا، عادت الأيام، نحمل على ظهورنا أثقال التجربة، وفي حلوقنا مراراتها، وفي أعيننا حلم ما زال بالإمكان بلوغه، لو تجاوزنا، وتعلمنا، وفهمنا.

0 التعليقات:
Post a Comment