حس أمني!
كنا مهتمين بتذكير أنفسنا بأننا لم نتغير، لكننا نسينا أن الدنيا نفسها تغيرت. كنت قد ذهبت معها إلى الفندق الذي شهد أجمل أيام هوانا، جدّدنا طقوسنا القديمة كلها باستمتاع شديد، واطمأن كل منا إلى طزاجة رغبته في العبث، حتى وإن لم تعد القدرة على العبث طازجة بذات القدر. قبل أن نغادر الفندق، لم ننس ممارسة لعبتنا المفضلة في انتظار المصعد حتى يخلو، ليحلو لنا العبث فيه، نصعد ونهبط به مراراً وتكراراً، وكلما باغتنا وتوقف عند طابق ما، نبتعد عن بعضينا، ونرتدي قناع الجدية ونكتم الضحك، ثم نتأهب لجولة عبث جديدة، حين يخلو المصعد لنا من جديد، كان ذلك سيكون ممتعاً كما كان في الماضي، لولا أننا لم نحسب حساب التطورات الأمنية التي أجبرت مسؤولي الفندق على أن يضعوا في المصعد كاميرا مراقبة. لو كان لدينا حس أمني لنجونا من الفضيحة.
حلول درامية
الثروة الطائلة التي حققها بدأت بمسلسل كان "وش السعد" عليه، حكى فيه وقائع مأخوذة من "صميم الحياة"، عن عائلةٍ كانت سعيدة، لولا أن فرقت الخلافات على الميراث أفرادها، فجعلتهم يجرجرون بعضهم في المحاكم. المسلسل أطلق أسطورته ككاتب درامي بارع "رصد أدق دخائل النفس البشرية"، كما قال النقاد، وهي الأسطورة التي تواصلت بعد موته، عندما تابع الناس بشغف تفاصيل الخلافات الشرسة على الميراث بين أبنائه، في ساحات المحاكم، والخلافات ذاتها كانت مصدر إلهام لكاتبٍ شاب، لم يكن وقت كتابته المسلسل الجديد ساحق النجاح، قد رُزِق بعد بأبناء سيجرجرون بعضهم في المحاكم، بعد أن يموت.
مصطلح
أخذت تحكي لي بحماس شديد معاناتها كأم وحيدة، أو كـ "سينجل ماذر"، طبقاً للمصطلح الذي اختارت استخدامه، قلت لها بتأثر شديد، وأنا راغب حقاً في مشاطرتها الأحزان: "أعرف ما تحكين عنه، فقد عاشت أمي تجربتك الأليمة". سألتني باهتمام "هوّ باباك كان متوفي ولا كان منفصل عن والدتك؟". قلت لها : "بالعكس كان عايش معانا في البيت دايما، بس أمي طول الوقت كانت سينجل ماذر".
زاويتي لرؤيتها!
لكل امرأة تحبها زاوية رؤية تسكن ذاكرتك، بعض النساء تتذكرهن دائماً من الخلف، وبعضهن تتذكر وجوههن من جانبها، وبعضهن لا تتذكرهن إلا من زاوية أفقية، بحيث ترى أعينهن الساحرات على اتساعها، أما هي فلا أجد لها في ذاكرتي إلا مسقطاً رأسيّاً، أرى منه وجهها مرفوعاً نحوي، وهي تنظر لي بكل ما في الدنيا من حب، بينما تجلس على ركبتيها لتقوم بعقد رباط حذائي الذي ينفك دائماً، وأرى فيه من نفس المسقط الرأسي وجهها، وهو مرفوع نحوي، ينظر لي بحب من نوع آخر، بينما هي تفعل ما لا تفهم أهميته، إلا امرأة برغم "أُبّهتها" لا ترى في عقد رباط حذاء حبيبها أمراً يعيبها على الإطلاق.
تلك الناصية
جلس يتناول إفطاره، ويراقب الشارع من خلف زجاج الكافيه، مفتتحاً بداخله أعمال لجنة تحكيم لاختيار أجمل الأفخاذ العابرة، استوقفه اشتباك عنيف بين ثلاثة عصافير على الناصية الملاصقة للكافيه. بعد ضربات متتابعةٍ، انسحب عصفور، وترك الناصية للآخرين اللذين اشتبكا من جديد، فبدت، أخيراً، طبيعة اشتباكهما واضحة المغزى له وللمارة، الذين تابعوا ذلك الاشتباك مبتسمين، خلال انتظارهم تغير لون الإشارة، ومع طول الاشتباك وعنفه الذي لم يكن متناسباً مع الصورة الذهنية المفترضة لغرام العصافير، سرت في المكان حالة من البهجة العابثة، جعلته يطلق على الناصية اسماً قرر أن يكتبه على جدار الكافيه ليلاً، عندما يخلو الشارع من زحامه. في زيارته التالية للمدينة، ضحك من أعماقه، عندما رأى الاسم الذي كتبه لا يزال موجوداً على الجدار، ثم تحولت ضحكته إلى قهقهة، عندما وجد أن متطوعاً ترجم الاسم إلى الإنجليزية وأحاط الاسمين بمربع، كأنه يعلن اسماً رسميّاً جديداً للمكان: "ناصية العصافير الهائجة".
نظرة خاصة
كان الإعجاب قد وُلِد بينهما من أول نظرة، تماماً كما تقول القصص الخيالية، انتبهت إلى نظراته الفاحصة ليديها، تساءلت: هل قرر أن يتأكد ما إذا كانت متزوجة أو مخطوبة، قبل أن يبادر بخطوة أخرى في طريق إعلان محبتها؟ هو كان بالفعل معجباً، وبالفعل، كان يريد أن يتأكد، قبل أن يتخذ خطوة أكبر، لكنه، في الحقيقة، لم يكن يبحث عن الدبلة، كان يبحث خوفاً من وجود صليب.

0 التعليقات:
Post a Comment