في الوقت الذي كان فيه أهالي وأقارب مرتكبي مذبحة عربية ترحيلات سجن أبو زعبل، ينزلون بكامل ثقلهم لتأمين إفلات أبنائهم الضباط بجريمتهم الوحشية، كان الدكتور جمال صيام، والد المهندس شريف أحد ضحايا المذبحة، يحاول السيطرة على حزنه العميق، ليتمكن من كتابة رسالة تشرفت بنشرها بتاريخ 4 سبتمبر/أيلول 2013، شكا فيها من التعتيم الإعلامي الواضح على القتل المتعمد لسجناء كانوا في حوزة النيابة، معرباً عن خشيته من أن ينتهي الأمر بإدانة بعض جنود مأمورية سيارة الترحيلات بالقتل الخطأ، ومعبراً عن أسفه، لأنه مضطر للتأكيد على أنه يقف ضد الإخوان كفصيل سياسي، لكنه ليس مع سحلهم وقتلهم بالطريقة البشعة نفسها التي قتل بها ابنه، الذي يؤكد أنه لم يكن إخوانياً، ولم يكن معتصماً، وأنه شارك في 25 يناير و30 يونيو، لكنه "كان متحفظاً على فكرة طلب التفويض التي رأى أنها ربما تقود إلى اتباع سياسة البطش الذي كان أحد ضحاياه في الحادث المشؤوم".
في رسالته التي كنت أتمنى أن تسمح المساحة بنشرها كاملة، للتذكير بتلك الجريمة البشعة التي كشف تسريب أخير من مكتب السيسي عن ضلوع مساعده للشؤون القانونية ومدير مكتبه في السعي إلى تبرئة مرتكبيها، يروي الدكتور شريف صيام كيف ألقت قوات الأمن القبض على ابنه، ظهر الأربعاء، بعد فض اعتصام رابعة، حيث تصادف تسجيل محطة سي إن إن عملية القبض على ابنه بطريقة مهينة، في فيديو نرى فيه كيف قام جندي أمن مركزي بالركض والطيران في الهواء، ليركل ابنه في صدره ركلة قوية الذي كان يبدو في الفيديو مسالماً تماماً، ثم يتم سوق شريف، رحمه الله، إلى سيارة الشرطة، هو ومن معه في أثناء ضربهم بالعصي، لترحيلهم إلى استاد القاهرة، في الوقت الذي كانت الأسرة تبحث عنه، طوال الليل، في المستشفيات ووسط مئات الجثث المتراكمة بمسجد الإيمان بشارع مكرم عبيد، حتى وصلت إليهم رسالة منه، في الواحدة صباح الخميس، تفيد أنه بخير وموجود باستاد القاهرة، لتعلم الأسرة بترحيله إلى قسم مصر الجديدة بعدها، حيث تم عرضه على النيابة، مساء الجمعة 16 أغسطس/آب، ليتم حبسه 15 يوما على ذمة التحقيق، مع 41 محتجزا بقائمة طويلة من التهم، تشمل حيازة سلاح ناري والتجمهر والتخريب والانتماء لجماعة إرهابية والشروع في قتل رجال الشرطة.
يقول الدكتور جمال صيام في رسالته "... ثم كان اليوم المشؤوم الذي ذهبنا فيه لزيارته (الأحد 18/ 8)، فقيل لنا إنه كان قد تم ترحيله في الصباح إلى سجن أبو زعبل. وفي المساء، توالت الأخبار عن حادث سيارات الترحيلات، وأنه تم قتل 37 مسجوناً، أعلنت بعض القنوات التليفزيونية أسماءهم، وكان بينهم شريف، بينما بقي 7 من المسجونين على قيد الحياة... هناك ملابسات شديدة الغموض، بالنسبة لتنفيذ عملية الإعدام الجماعي على النحو الذي تمت عليه، على أن شهود العيان، وهم المساجين السبعة الذين نجوا من المحرقة، وبعيداً عن روايات وزارة الداخلية، الملفقة والمتناقضة وغير المنطقية، يؤكدون أن السيارة بقيت، نحو سبع ساعات، داخل فناء السجن، وبعد احتجاجات المساجين، وتشابك لفظي بينهم وبين أحد الضباط، أدخلت قوة الحراسة قنبلتي غاز إلى داخل السيارة، وأغلقوا عليهم بابها، وانتظر الضباط بضع دقائق، حتى لقي الـ 37 سجينا مصرعهم. والله يا سيدي لو أن مشاهد هذا الحادث كانت ضمن فيلم سينمائي لمحارق النازية، ما كان يمكن تصديقها".
في رسالته، تحدث الدكتور جمال صيام عن ذهوله من اتهام الدكتور مصطفى حجازي المستشار السياسي للرئيس المؤقت، عدلي منصور، مذيعة "سي إن إن" بأنها تركز على حادث أبو زعبل، وتتجاهل حادث مقتل 22 جنديا على أيدي المسلحين في سيناء، مستغرباً من المقارنة بين الحادثين بهذا الشكل المريب، ومعرباً عن حزنه، لأنه، بعد القبض على ابنه بتلك الطريقة المهينة التي شاهدها الملايين، ثم قتله بذلك الشكل البشع، يجد نفسه مطالباً بأن يدفع عن ابنه تهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية، وغيرها من التهم، بدلاً من أن يتم تحميل المسؤولية لكل من تسببوا في قتل ابنه، بدءا من وزير الداخلية ومدير مصلحة السجون ومأمور سجن أبو زعبل وأفراد القوة المرافقة للسيارة، لكي لا يثبت أن التفويض كان تفويضاً بالبطش.
يومها غضب بعض القراء، لأني ختمت المقال الذي نشرت فيه الرسالة بعبارة "ألا لعن الله قوماً ضاع الحق بينهم"، ولعلهم، اليوم، يدركون لماذا أصبحت أحوال المصريين هكذا؟ وكيف ستصبح في المستقبل؟ بعد أن رضوا أن يضيع الحق بينهم.

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -