من الأهمية بمكان أن نتحدث عن قيمة الانتخابات في منظومة السياسة بحيث تشكل تعبيرا حقيقيا عن الاختيار الواعي والرضا الكامل لاختيار ممثلين، وهي من ناحية القوى السياسية هي طريقة لقياس قوتها وأوزانها النسبية في التأثير في العملية السياسية، ومن ثم فإن الانتخابات يجب أن تتصف بصفات عدة أولها الاختيار والحرية والتعبير عن الإرادة القوية، وثانيهافيتعلق بالنزاهة والأمانة والشفافية، ثالثهافهو خلوها من أي شبهة للتزوير أو التمرير لكل أعمال تشوه العملية الانتخابية، أما الأمر الرابع فيعنى مع وجود هذه الشروط أن يعترف الجميع بنتائج الانتخابات وما يترتب عليها من إلتزامات.

إن رؤية للانتخابات القادمة التي تشكل حلقة من حلقات مسرحيات هزلية أقيمت في محاولة لشرعنة إنقلاب عسكري تجعلنا نتساءل حول أمرين؛ الأول منهما حول كيف يمكننا النظر إلى الاستحقاقات الانتخابية السابقة والمآلات التي انتهت إليها نتائجها، والانقلاب عليها بجرة سلاح التي أعلنها العسكر في شكل انقلاب عسكري فاجر وسافر؟!، أما الأمر الثاني فيعنى بالتساؤل حول الطبيعة الانتقائية في الانتخاب، ذلك أن الانتقائية تلك تنال من أي مصداقية لأي مسار ديمقراطي وتشكك في جوهر هذه الآلية عند الاحتكام إليها، بين سندان الانقلاب ومطرقة انتفاء المصداقية تقع هذه الدعوة التي تتعلق بضرورة المشاركة في الانتخابات القادمة ، فبأي أمارة وبأي إشارة يمكن أن نجعل من هذه الانتخابات أملا لمصر إلا أن تكون غطاء لشرعنة انقلاب أسهم بصورة مباشرة في وأد مسيرة نظام ديمقراطي بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير؟!.

قبل أن نذهب إلى الصناديق وجب علينا أن نتعامل مع ثلاثة صناديق والارتباط فيما بينها؛ الصندوق الأول هو صندوق الذخيرة الذي صار يتحكم في جملة المسار ويجر بقية المؤسسات نقصد بذلك وهو ما عبر عنه المنقلب الرئيس حينما أكد أنه ليس هناك ما يمكن تسميته بالنظام نافيا أن يكون لأي آليات ديمقراطية أي وزن في حقيقة تشكيل ما أسماه هو بالدولة المصرية، إن أركان الدولة - كما يتصور هو - في محاولة إنقاذ منظومته الانقلابية هي المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية ومؤسسة القضاء والإعلام، إذا إنه يقصد بتلك الأركان؛ أركان خدمة الخيار العسكري لصندوق الذخيرة فتصير المؤسسات الثلاث الأخرى في خدمته وطوع يمينه، تروج له ولخياراته من دون أي اعتبار لإرادة الشعوب أو مطالب الثورات والتغيير.

أما الصندوق الثاني فهو صندوق الانتخابات الذي يجب أن يُحتكم إليه كما أكدنا، لأنه أحد المسالك الأساسية والآليات الديقراطية في قياس أوزارن القوى السياسية وذلك ضمن عملية تشكيل البرلمان وما يترتب عليها من مسائل تتعلق بإمكانات تداول السلطة وتشكيل البرلمان والقيام بأهداف الرقابة والتشريع بحيث تعبر عن إرادة الناخبين فيما يسمى الكتلة الانتخابية التي تشكل جموع الشعب وأصواته، هذه هي صناديق الانتخاب كما تعرفها علوم السياسة وكما تعرفها الخبرات الديمقراطية المحترمة على الرغم مما قد يرد من انتقادات تتعلق بعمليات الصناعة الانتخابية والقوى المتحكمة فيها.

أما الصندوق الثالث فهو صندوق يتعلق بالكيفية التي يتعامل بها صندوق الذخيرة مع صندوق الانتخابات في محاولته للتحكم بكل مسار سياسي إن له الكلمة الأولى والكلمة الفصل، فحينما لا تعجبه نتائج الانتخابات فإنه يخرج سلاحه ملوحا به ويختطف رئيس منتخب ويضعه في مكان غير معلوم ثم يحدد خريطة طريق لانقلاب عسكري يسفر في النهاية عن مشاهد انتخابية واستفتائية تمثيلية يحاول بها إضفاء الشرعنة على الانقلاب الذي يشكل انقلابا للسلطة، التي إذا ما أراد أصحاب صندوق الذخيرة من الجنرالات أصحاب المصالح في المؤسسة العسكرية أن يجعلوا الصندوق الثالث الذي يولد ما بين صندوق الذخيرة والانتخابات هو صندوق القمامة منها مكانا لأصوات المنتخبين حينما يعلنون عن عدم رضاهم عن هذه المسيرة الانتخابية وما أسفرت عنه من قوى أو أوزان ربما تهدد مصالحهم الأنانية التي تراكمت عبر "دولة عميقة قميئة"، صناديق القمامة إذا هي محل كل استحقاقات انتخابية لا يرضى عنها العسكر أوتهدد مصالحهم، أما صناديق الانتخابات الذين يقومون بتصنيعها على أعينهم بتزوير مباشر وغير مباشر تلك وحدها هي المتعارف عليها لديهموالتي يمكن تمريرها.

أليس من حق أي إنسان وأي مواطن يحترم صوته أن يرفع كلماته وبأعلى صوت"أين صوتي"؟، إن خمس استحقاقات انتخابية تتعلق باستفتاء مارس فيما تصور البعض أنه حلا للمشكلة الدستورية ثم بعد ذلك استحقاق الانتخابات البرلمانية التي تمثلت في انتخابات مجلس الشعب ثم مجلس الشورى، ثم استحقاق الانتخابات الرئاسية واستحقاق خامس يتعلق بالاستفتاء على الدستور 2012 ـ 2013، أيا ما كان يشوب تلك الاستحقاقات من جو سياسي استقطابي خانق، تظل هذه الاستحقاقات بما تميزت به تلك الانتخابات من خصائص وسمات تعبر بشكل أو بآخر عن مسيرة نظام ديمقراطي رغب الجميع بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير أن يحتكموا لقواعده وأن يمارسوا آلياته بحقها وحقيقتها، وفي هذا السياق فإن الشعب المصري الذي ذهب إلى الصناديق خمس مرات لابد وأن يسأل ويصرخ "أين صوتي ؟!"، في حساب عسير غير يسير لأن هذه الأمور أمر جد لا هزل.

هل يمكن في كل مرة أن يخرج علينا أحد الجنرالات ملوحا بسلاحه مختطفا رئيسه المدني واضعا إياه في السجن يلفق له القضايا والمحاكمات، وينهي ذلك المسار ليعبر عن أمر يتعلق بمسار إنقلابي ليس له من شرعية ولا يمكن أن يكون له شرعية، فيحاول قلب الامور وبأذرعه المختلفة أن يمرر هذا الموقع باغتصاب لسلطة من العسكر الذين اختاروا أن يتصدروا المشهد بدون انتخاب، هل يمكن في ظل هذه الحال أن يشكل ذلك ضمانة لمسار غير ديمقراطي ومستقبل سياسي لمصر الوطن بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير التي شكلت منصة وفرصة انطلاق لتغيير جذري وثوري وتمكينا لآليات ديمقراطية حقيقية.

ومن ثم ازداد عجبي حينما يتحدث أصحاب صناديق الذخيرة عن صناديق الانتخاب ويقدمون اعلاناتهم المتكررة في القنوات الفضائية عن "صوتك إحميه" وعن "حافظ على صوتك... عبّر عن إرادتك بانتخابك"،"لأنك حر(؟!) شارك(؟!) في انتخابات(؟!) مصر 2015(إشمعنى؟!)، صوتك مهم(بأى أمارة؟!)، شارك... "حدّث بياناتك تحمي انتخاباتك"(أحميها من مين وإزاى؟!) (أحميها إزاى من إنقلابات العسكر وسلاحهم؟!)، فلنرد على هذه الحملة"حدث بياناتك واحنا هنزور أصواتك"!!، "انتخب واحرص على صوتك واحنا هننقلب على صوتك"!!،"كما شاركت فى النضال ، سأشارك فى القرار"،،"نحن نقول ذللك مجرد كلام عشان نضحك عليك لكن عشان تريّح نفسك المؤسسة العسكرية هى النضال الاختيار والقرار"!!،"أين صوتى فى خمس استحقاقات؟!"،"صوتك حافظ عليه واحنا بعد كده ننقلب عليه"!!.

هذه إعلانات انتخابية تارة يُتوجه بها للإنسان البسيط وتارة يتوجه بها إلى المرأة وأخرى يتوجه بها إلى الشباب -مخادعا كل هؤلاء- في محاولة لدفع هؤلاء لمشاركة في انتخابات برلمانية هزلية قادمة لا يمكنها إلا أن تعبر عن متطلبات من قلبوا نظام الحكم واغتصبوا السلطة وجمعوا تحالفاتهم من كل صوب وحدب ليقودوا ثورة مضادة في مواجهة ثورة حقيقية هي ثورة الخامس والعشرين من يناير.

والأمر الثاني الذي يتعلق بجملة المواقف من تلك الانتخابات التشريعية التي أجلت شهرا بعد شهر وفي خريطة طريقهم كانت تلك الانتخابات قبل الانتخابات الرئاسية ولكنها بقدرة قادر وبجرة قلم، وبرأي صناديق الذخيرة استقر الامر على صناعة انتخابات رئاسية هزلية، في هذا الإطار يأتي هذا التأجيل تلو التأجيل للتشريع للانتخابات التشريعية لمجلس النواب بشكل غير مبرر إلا أن يكون لهؤلاء رأيا في "تصنيع البرلمان" الجديد وفق الأهداف والمصالح التي تتعلق بتحالفات الثورة المضادة لإخراج مجلس تشريعي جديد يكون من مهمته تزوير إرادة الشعوب وتمرير إرادة أصحاب السلطة واستبدادهم وشبكات فسادهم.

هذا هو السبب الحقيقي وراء هذا التأجيل المستمر حتى يمكن التحكم في مفاصل خريطة البرلمان الجديد، إن "المنقلب الرئيس" حينما يتحدث عن أركان الدولة ولا يجعل منها المؤسسة التشريعية باعتبارها قد سقطت سهوا لعدم اعتباره لتلك المؤسسة أو سقطت عمدا لتصنيع هذه المؤسسة لتقوم بدور يتعلق بتشكيلها الزائف من الصفاقة والوفاقة والنيام والعجائز وكاتمي السر فضلا عن أصحاب المصالح من النظام البائد هذا فقط هو ما يمكن أن يشكل هذه المؤسسة ويجعلها من "مؤسسات الضد" لا تقوم بجوهر وظائفها وأدوارها في الرقابة والتشريع.

حينما يكون الأمر بمناسبة التشريع أو بإصدار القوانين أو القرارات أو التصديق على المعاهدات يكون بهذه الصورة العبثية التي تصدر عن المنقلب الرئيس تحت غطاء أسماه لجنة "الإصلاح التشريعي"؟! وهي في حقيقة أمرها ليست إلا لجنة "الإفساد التشريعي" بما تقدمه من قوانين تعيد إلى الأذهان "ترزية القوانين" الذين يقومون بكل ذلك لتمرير استبداد السلطة وتزوير إرادة الشعوب وتكميم الأفواه ،وما القوانين التي تتعلق بالحبس الاحتياطي أو قانون التظاهر ببعيدة التى تظل ضمن دائرة العبث التشريعي الذي سوغ اعتقال أكثر من أربعين ألف معتقل تحت سيف تشريعات باطلة وجائرة.

وفي النهاية وبهذا التصور من صناديق الذخيرة لصناديق الانتخاب ومن جرة السلاح التي تقذف بالاستحقاقات ونتائج الانتخابات إلى صناديق القمامة تقع المشكلة الأساسية والصراخ بأعلى صوت "أين صوتي"؟ هذه هي القضية، وما لم نحل "مشكلة العسكر" لن يكون لصندوق الانتخاب قيمة وسيكون صندوق الذخيرة هو الحاكم المتحكم،هذه هي القضية أين صوتي؟ ومن ضيعه وأطاح به ،إنقلابك يكذبك وتريدنى أن أصدقك؟!.

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -