تدين مصر الاعتداء على المسلمين في بورما، تطالب أمريكا بضبط النفس وعدم الاعتداء على المتظاهرين السلميين، ترفض الانقلاب الفاشل في جنوب السودان، وبمجرد إدانة دولة لأي حدث يقع في مصر، أو وصفها ما حدث في 3 يوليو بالانقلاب العسكري، يظهر على الفور الصراخ الرافض للتدخل في شؤوننا الداخلية والحديث البائس عن المؤامرة الغربية.

بعد شهور طويلة من القطيعة مع قطر بسبب موقفها من 30 يونيو وأداء قناة الجزيرة، انتفض الإعلام المصري ضد تقرير تم بثه في التليفزيون المغربية يصف ما حدث في مصر بالانقلاب وينتقد نظام عبد الفتاح السيسي، وكأن المنبطحون والمتنطعون والمنافقون لم يكتفوا بكبت حريات المعارضين وحبس المخالفين داخل مصر، فأرادوا ألا يتكلم العالم كله بما يُرضيهم، وأن يجعلوا كل صحفه وقنواته نسخة من صحفهم وقنواتهم التي ترأس تحريرها الشؤون المعنوية!

من حق أي دولة في العالم أن ترى ما حدث في مصر ثورة أو أن تراه انقلابًا، وكما تخرج الخارجية المصرية لتعلن موقفها من الأحداث التي تجري في العالم ليس غريبا أن تُقدم بقية الدول على التصرف نفسه، هذا ما يجب أن يفهمه الإعلاميون المبرمجون على النباح بمجرد سماع كلمة "انقلاب".

***

الأزمة ليست ما قاله التليفزيون المغربي، لكنها في عدم استيعاب السلطة الحاكمة في مصر والإعلام الذي تربيه في حظيرة قصرها للأوضاع في هذا البلد العربي، هناك حرية رأي ومجتمع مفتوح، هناك أحزاب قوية، هناك قبول للآخر وشراكة في الحكم رغم نظام الحكم الملكي، هناك تجربة عدالة انتقالية ناجحة جنبت البلاد دماء كالتي نغرق فيها الآن، لذلك لا يُشترط أن يمر كل تقرير في تليفزيون الدولة على مقص الرقيب، ولا يُتصور أن يقمع المغاربة رأيهم فيما حدث في مصر خوفا من دولة لم تعد تخيف إلا شعبها.

مادمنا قد تذكرنا فجأة أن هناك دولة شقيقة اسمها المغرب فلهذه الدولة تجربة تستحق أن ننظر إليها ونتعلم منها خاصة أنها شبيهة بتجارب مررنا وما زلنا نمر بها.

"سنوات الرصاص" هذا هو الوصف الذي أطلقته أحزاب المعارضة في المغرب على فترة حكم الحسن الثاني، ففي عهده سجن الآلاف وتفننت فيه الأجهزة الأمنية والمخابراتية في مراقبة كل شيء وإحصاء أنفاس المغاربة.

كرّس الملك الراحل العداوة بين القصر والقوى السياسية، وجعل الهاجس الأمني هو الموجه لكل السياسات، ومارس قمعا غير مسبوق للتصدي للانفجارات الاجتماعية التي حدثت في عهده جراء تردي الأوضاع الاقتصادية، مما جعل المغرب يدخل في فترة سوداء من العنف والعنف المضاد، واقتصر البلد على شريحتين "القلة القليلة" التي تتحكم في مصادر الثروة، و"باقي المغاربة" الذين ظلوا يعانون تدهور أحوالهم سنة تلو الأخرى، وقتل مئات المعارضين واختفى الآلاف قسريا، لكن تبقى العلامة الأكثر سوادا في العهد الحسني، القمع الشرس لانتفاضات الخبز في سنوات، 1981 و1984 و1990 والتي وصف فيها الملك المتظاهرين بالأوباش والغوغاء.

وليس من دليل على ذلك أبلغ من شهادة الملك الحسن نفسه حين قال: "لو فكرت يوما في تدوين مذكراتي لقمت بعرض حصيلة أخطائي"

***

ورث الملك محمد السادس عن والده تركة ثقيلة وثأرًا موجودا في كل منزل، وكان أمام خيارين، إما مواصلة طريق القمع لنهايته أو البحث عن بداية جديدة، فلجأ إلى الخيار الثاني.

في 2004 شكّل محمد السادس "هيئة الإنصاف والمصالحة" من نخبة من الناشطين والمناضلين الحقوقيين والمعتقلين السياسيين السابقين، وكلفها بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان فى المغرب منذ 1956 إلى 1999 لرد الاعتبار للضحايا وتحقيق المصالحة الاجتماعية الشاملة.

عقدت الهيئة جلسات استماع عامة تم نقلها مباشرة عبر وسائل الإعلام للضحايا الذين قدموا الشكاوى وبدأت الحقائق تتكشف للرأي العام بعدما تحدث الضحايا عن ظروف الاعتقال والتعذيب والاختطاف التي مروا بها، كما فحصت آلاف الوثائق المرتبطة بالانتهاكات والخروقات الخاصة بمن تعرضوا للاختفاء القسري والاعتقالات التعسفية والتعذيب وسوء المعاملة وإطلاق النار خلال كافة الأحداث التي شهدتها البلاد في العقود السابقة.

وبعد نحو عامين من العمل المتواصل قدمت هيئة الإنصاف والمصالحة تقريرا حول عملها للعاهل المغربي، حمل توثيقا للانتهاكات التي مورست بحق العديد من الضحايا مثل الاختفاء والدفن الجماعي والتعذيب، بالإضافة لمعلومات وافية عن السجون والمعتقلات السرية، والتوصيات التي تكفل منع تكرار هذه الممارسات في المستقبل.

قطع المغرب بعد ذلك خطوات كثيرة في سبيل إصلاح المؤسسات واحترام حقوق الإنسان واقتسام السلطة، الرباط (اسلام تايمز) - تمت في نهاية الأسبوع الماضي، بالقصر الملكي بالرباط مصادقة مجلس الوزراء المغربي على القانون التنظيمي الذي يرسم الخارطة الجديدة لتقسيم السلط بين الملك ورئيس الحكومة في ما يتعلق بتعيين المسؤولين في أكثر من مائة مؤسسة ومقاولة عمومية استراتيجية.

وبموجب هذه المصادقة يكون الملك محمد السادس فقد تم توزيع سلطة التعيين بين الملك محمد السادس، حتى أنه في فبراير 2012 كان رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، المنتمي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، يوقع على قانون لتقسيم السلطة بين الملك ورئيس الحكومة، بحيث احتفظ الملك بحق تعيين المشرفين على 37 مؤسسة إستراتيجية، في مقابل 52 مؤسسة يحق لرئيس الحكومة اختيار المشرفين عليها.

والآن تعيش دولة المغرب "الملكية" تجربة ديمقراطية لا تتركز فيها السلطة في يد شخص واحد أو مؤسسة دون غيرها، ويُسمح فيها للأحزاب بالعمل والتنافس، وللمواطنين بالتعبير عن الرأي والخلاف، نعم ما زالت هناك نواقص لكن الأكيد أن المغرب يسير على الطريق الصحيح.

***

إن كنتم تريدون أن تذكروا اسم المغرب فاذكروه لتتعلموا كيف انتقل من الدم والرصاص إلى المصالحة والبناء، ذلك أجدى وأنفع من فتح النار عليه واستعدائه بسبب كلمة لم تعجبكم.

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -