مونيتور: التلوث يغرق النيل والحكومة غائبة

" تلوث مياه النيل في مصر في إزدياد مضطرد،" عنوان اختاره موقع " المونيتور" الأمريكي لتقرير نشره اليوم- السبت- والذي رتح يسلط فيه الضوء على مشكلة تلوث تلوث مياه النيل المزمنة، وما ينجم عنها من مشكلات صحية خطيرة وغياب السياسات الحكومية الرشيدة في إدارة تلك الأزمة ولاسيما مع عد تمتع مصر برفاهية الموارد المائية ومواجهتها لخطر العجز المائي بحلول 2025.

وإلى نص التقرير:

في الوقت الذي يزداد فيه الزخم الإعلامي والسياسي في مصر حول الصراع الدائر بين القاهرة من ناحية وبين دول المنبع من ناحية اخرى حول تأمين الحصة السنوية للأولى من مياه النيل، لا تزال مستويات التلوث في نهر النيل قضية عالقة يُسلط عليها الضوء فقط حال ظهور حادث تسمم بالمياه الملوثة بالمخلفات الخطيرة.

وينتهي الجدل عادة عندما تطمئن الحكومة الرأي العام وتؤكد على أن مياه النيل ءامنة وملائمة للإستخدام الآدمي دون وضع سياسات طويلة الأمد لحل الأزمة.

وفي الثاني والعشرين من أبريل المنصرم،انقلب صندل تابع لشركة مصرية مملوكة للجيش في نهر النيل بصعيد مصر ليتسرب منها 500 طنا من الفوسفات. وحاولت القوات المسلحة على مدار أسبوعين انتشال الصندل وتطهير نهر النيل من الفوسفات.

وقال وزير الموارد المائية والري حسان مغازي في بيان حينها أنه " قد تم القضاء على التسرب كاملا، لكن ربما يكون ثمة بعض الرواسب غير المعدية أو الضارة.”

وليست تلك هي الحادث الأول من نوعه. فقد سجلت وزارة البيئة حوادث تلوث عديدة في مياه النيل، من بينها تسرب مياه الصرف الصحي في المنطقة الواقعة بين السد العالي وخزان أسوان، وإلقاء حيوانات نافية ومخلفات المصانع الصلبة في النهر.

وتفتقر الأجهزة المصرية المعنية بقضية نهر النيل إلى فهم شامل لنوعية مياه النيل، على الرغم من وقوع عديد من حوادث التلوث من أسوان إلى دمياط وفرع رشيد. ولا يوجد سوى القليل فقط من التقارير المهمة التي تتناول حوادث التلوث وتدهور نوعية المياه في أماكن محددة في المحافظات الجنوبية.

وعلى الرغم من تشكيل لجنة عليا تتبع لرئيس الوزراء لشئون نهر النيل غبان عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك- وعلى الرغم أيضا من تحديد إجراءات الوقاية من التلوث- لا تزال المسئولية عن إدارة مياه النيل في مصر موزعة بين ثلاث وزارات: وزارة الموارد المائية والري المسئولة عن توزيع وتأمين وصولها إلى الأراضي الزراعية والتعامل مع مياه الصرف الزراعي التي يتم صرفها مباشرة بما تحمله من مبيدات في النهر ووزارة الإسكان والمرافق والتنمية العمرانية المسئولة عن تأمين وصول المياه إلى محطات معالجة مياه الشرب والصرف الصحي وأخيرا وزارة البيئة المنوط بها مراقبة جودة مياه النهر.

وقال كريم خالد الباحث في مجال نوعية المياه بجامعة إيسن الألمانية في تصريحات حصرية لـ " المونتيور" إن " عدم وجود جهاز إداري مسئول عن إدارة مياه النيل وتحسني الجودة من السد العالي إلى قاع النهر وحتى وصول المياه إلى المواطن في المنازل، هو السبب في تلوث مياه النيل في مصر.”

وأضاف خالد أن " حالة مياه النيل لا تزال بحاجة إلى تعريف دقيق ومفصل، ونحن بحاجة أيضا إلى الوقوف على طبيعة المواد الملوثة الموجودة في المياه. فالمياه عرضة لكافة أشكال التلوث، ولعل أخطرها المخلفات الصناعية الصلبة التي لم يتم معالجتها والتي تتسبب في تراكم المعادن الثقيلة في مياه الشرب، متسببة في مشكلات صحية عديدة.”

وأوضح خالد أن الدراسات التي أجراها خلصت إلى أن "مناطق الدلتا هي الأخطر في نسب التلوث المتراكمة والتي تتركز عليها كثافات سكانية عالية، وتزيد نسب الصرف الصحي بسبب ضعف خدمات الصرف الصحي وانعدامها في أغلب القرى في الدلتا، وري الزراعات بها مباشرة من دون تنقية، وهو ما يثير خطراً آخر يتعلّق بمدى جودة المنتجات الزراعية المروية بالمياه الملوثة".

وعلى الرغم من إعلان المسئولين عن مياه الشرب في مصر أن المياه آمنة وصالحة للاستخدام الأدميّ، ولا تتسبب في تأثيرات ضارة على الصحة، وتأكيد تصريحاتهم بنتائج تحاليل عينات من المياه من مخارج محطات الشرب، إلّا أنه في الوقت نفسه، لا تزال ثمة تقارير إعلامية تشير إلى استمرار الإصابات بالتسمم نتيجة تلوث مياه الشرب.

وتابع: "تؤخذ عينات المياه التي يتم تحليلها على الأغلب من مخارج محطات المياه مباشرة ، لكن تلوث المياه قد يكون خلال توصيلها إلى المنازل بسبب تدهور شبكات نقل المياه وتلوث محطات الرفع"، لافتاً إلى أن "بعض محطات الشرب تلجأ إلى وضع مادة الكلورين في المياه للقضاء على البكتريا الضارّة، إلّا أن هذا الإجراء يتسبب أيضاً في مشاكل صحية".

ولم تقف المؤشرات الخطيرة لتدهور نوعية المياه بتأثيرها السلبي على صحة المواطنين فقط، لكن حوادث أخرى تتعلق بنفوق مفاجئ لكميات كبيرة من الأسماك بسبب نسبة عالية من الأمونيا والرصاص والمواد الصلبة التي تصيب الأسماك بالتسمم، كما حدث في شهر يناير الماضي في فرع رشيد.

وأكد وزير البيئة خالد فهمي، في تصريحات إلى "المونيتور"، على أن "الحكومة في صدد اتخاذ ضوابط صارمة وتوقيع عقوبات لمنع إلقاء أي مواد خطرة وملوثة في مياه النيل أو تسربها"، مضيفاً: "مياه النيل آمنة تماماً وهناك لجان تفتيش دورية على المصانع والمصارف للتأكد من معالجة المياه قبل إلقائها في النهر".

وأردف فهمي: "بدأنا في اتّخاذ إجراءات لمراجعة منظومة النقل النهري، وتحديد المواد الخطرة التي لا يمكن نقلها عبر النهر".

ويضيف وزير البيئة: "لا يعني إلقاء المخفات في النهر أن مياهه أصبحت سامة "، مبرراً حديثه بالقول: "لا تنتقل المخلّفات التي تلقى من المصانع في نهر النيل مباشرة إلى محطات مياه الشرب، والنيل لديه قدرة على تشتيت الملوثات". لكنّ فهمي اعترف في حديثه أن "مشكلة تلوث مياه النيل لا تزال مشكلة معقدة ومتراكمة منذ 30 سنة، والدولة تحاول إيجاد حلول لتحسين جودة المياه في النهر".

وفي النهاية، تظل مشكلة تلوث مياه النيل عالقة في وقت لا تتمتع فيه مصر برفاهية توافر الموارد المائية، حيث تشير التقارير الفنية الصادرة عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أنّ مصر قد تتحول إلى دولة شحيحة المياه في حلول عام 2025 ، خصوصاً وأنها تستهلك 127% من مواردها المائية، أي تستورد 27% من المياه من خلال استيراد مواد غذائية رئيسية، مع وجود ضغوط عدة تتمثل في الكثافة السكانية وشبكة أنابيب المياه المتهالكة التي تهدر وحدها 35% من المياه سنويا.


مصر العربية

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -