أمراض الحياة العامة فى مصر اليوم كثيرة ومتراكمة، والبحث فى أسبابها وعوامل استعصائها على العلاج يقودنا إلى غياب الديمقراطية خلال العقود الماضية وافتقار بعض النخب السياسية والحزبية إلى قدرات الاتساق الفكرى واحترام التنوع والتعددية والاختلاف فى الرأى دون تشكيك أو تخوين وبناء التوافق، ولأن الحياة العامة لا تعدم أبداً لا المواقف الحدية ولا لحظات الاستقطاب، فهى تكشف باستمرار للمواطن عن أمراضنا.
طرحت منذ أيام فكرة واضحة هى أن مصر لا تكتب دستورها فى فراغ، بل فى ظل سياق دولى به مواثيق وعهود للحقوق والحريات ملزمة لنا كدولة ضمن منظومة المجتمع الدولى، وطالبت بالتواصل مع المنظمات والبرلمانات الدولية فى هذا الإطار. الكثير من رموز القوى الوطنية والديمقراطية وشخصيات عامة ونشطاء تواصلوا معى بشأن طرحى لاستجلاء ملامحه والتثبت من أنه لا يحمل لا محاولة للاستقواء بالخارج ولا استبدالاً للتفاعل والكفاح فى الداخل من أجل دستور يليق بمصر بالعامل الخارجى، وهو ما أكدت ابتعادى التام عنه بالقول والكتابة وشددت على أن طرحى لا يعنى تدويلاً للمسألة الدستورية حيث إنها فى مكون أصيل يرتبط بالمواثيق والعهود الدولية للحقوق والحريات (ومن بينها لمن لا يعلم حقوق وحريات المرأة وحرية العقيدة) دولية بالفعل، ويتعين على كافة القوى السياسية والمجتمعية أن تدرك هذا. وكان من بين هؤلاء المحترم الدكتور حلمى الجزار عضو الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة والمحترم الأستاذ عبدالغفار شكر وكيل مؤسسى حزب التحالف الشعبى والمحترمة الأستاذة إنجى حمدى المتحدثة الإعلامية لحركة 6 أبريل والعزيز وائل غنيم، أربعتهم قدموا نموذجاً راقياً للحوار حول طرح خلافى ولإدارة التنوع الفكرى والسياسى بصورة بناءة تبنى تفاهماً لا يقع فى مصيدة التجاذبات والمشاحنات ودعونى بكرم لتوضيحات قدمتها.
وفى مقابل هذا النموذج الراقى، كشف تناول آخرين للطرح عن الطبيعة المزمنة لمرضين «عضال» تعانى منهما الحياة العامة والسياسية فى مصر؛ المرض الأول هو مرض التشكيك فى الوطنية والتخوين عند الاختلاف فى الرأى. البعض (ولن أشير هنا إلى أسماء لأن السياق هو سياق نقد وأنا لست من المعرضين بآخرين مهما اختلفت معهم) وظف مفردات كالسقطة الوطنية والإفلاس السياسى والخزى والعار وعبارات كـ«إنا لله وإنا إليه راجعون» للتخوين والتشكيك فى وطنيتى لوأد الفكرة بدلاً من مناقشة موضوعية وهادئة للسياق الدولى لعملية كتابة الدستور فى مصر. لا يؤلم أن يكون من بين هذا البعض سياسيون كارهون للمختلف معهم أو اعتادوا اصطياد المواقف للمزايدة والظهور (فى لقطة) بمظهر الأبطال وبات الرأى العام يدرك هذا، ولا يحزن طويلاً أن يكون من بينهم باحثون ومن تيارات مختلفة عن عودة للأضواء بعبارات رنانة. بل المؤلم والمحزن أن يكون من بينهم مفكرون وباحثون فى العلوم السياسية كنت أتصور أن اختلافهم فى الرأى يعنى دوماً المناقشة الهادئة وتفنيد الطرح المختلف عليه وتقديم طرح بديل وليس إطلاق الأحكام الحدية وصبغها بصبغة دينية، وكنت أنتظر أنهم سيكونون أقدر من غيرهم على فهم أن باحث السياسة حين يمارس السياسة واجبه أن يطرح ما يتسق مع فكره حتى وإن كان خلافياً ويعلم هو خطورته على القبول الشعبى له بهدف دفع النقاش العام إلى الأمام.
هدفى من الطرح لم يكن إلا تثبيت إلزامية المواثيق والعهود الدولية والتنبيه إلى أن هناك بيئة دولية لكتابة الدستور لسنا بمعزولين عنها والتزامات دولية ليس لنا أن نتحايل عليها.
أما المرض الثانى فهو مرض «الرقص على الحبال» الذى يعانى منه سياسيون وشخصيات عامة ولا ينتجون بشأن العلاقة بين الداخل والخارج إلا خطابات مزدوجة موجهة طبعاً للداخل والخارج كل بمعزل عن الآخر ومع غياب للشفافية.
للداخل الغرب يعادينا ويتربص بنا، وللخارج نحن أصدقاؤكم ونتعاون معكم.
للداخل ما يأتى لنا من الغرب مرفوض ولا يسر، وللخارج ننصت لما تقولون ونقبل مساعداتكم ونتواصل مع مراكزكم السياسية ونعمل لفترات بمعاهدكم البحثية. للداخل لا شأن لأحد بكتابة الدستور ولا بالسياسة فى مصر، للخارج وفى اجتماعات الغرف المغلقة نطلعكم على تطورات كتابة الدستور وكافة أمور السياسة الأخرى. لهؤلاء أقول: كفاكم ازدواجية وكفاكم تلاعباً بوعى الناس، وحدوا خطابكم وتعاملوا بشفافية، لست ممن يرون أن إدراك أن مصر تعيش فى بيئة دولية ودستورها يكتب بتفاعل وتواصل مع بعض مكونات هذه البيئة خطيئة أو سقطة، بل أمر موضوعى وثابت ولا يحمل دعوة للاستقواء بالخارج. لست ممن يرون أن التواصل مع مراكز سياسية وبحثية فى الغرب جريمة وعمل لا يسر، بل مسألة طبيعية طالما نحافظ على استقلالنا الوطنى ومصالح مجتمعنا وثورتنا.
كفوا عن الازدواج ووحدوا الخطاب وقولوا للداخل والخارج ذات الرأى، إن أردتم العزلة عن العالم فقولوا هذا لمصر وللخارج وإن كنتم أصحاب رأى آخر فكفوا عن المزايدة والازدواجية.

0 التعليقات:
Post a Comment