صدى البلد
لم تعد حالة الغموض التي اكتنفت حملة "الاعتقالات والترحيل" بحق لاجئين سوريين في مصر مؤخراً تحيّر المنظمات الدولية فحسب، إذ حيّرت أيضاَ المعارضة السورية واللاجئين أنفسهم .
وفي تصريح لوكالة الأناضول للأنباء، قال عضو الأمانة العامة لـ"المجلس الوطني السوري" المعارض، جبر الشوفي، إن "ملابسات حملة الاعتقالات والترحيل الأخيرة لبعض اللاجئين السوريين في مصر غير واضحة المعالم نهائياً، خاصة مع عدم إيضاح السلطات المصرية لتلك الملابسات والمخالفات التي ارتكبها المعتقلون؛ ليتم ترحيلهم على أساسها".
وقالت منظمة "هيومان رايتس ووتش" الحقوقية الأمريكية إن الشرطة المصرية ألقت القبض يومي 19 و20 يوليو الماضي على 72 رجلا سورياً و9 أولاد في نقاط تفتيش على الطرق الرئيسية بالقاهرة، وإن هؤلاء المحتجزين، بينهم لاجئون سياسيون، و9 على الأقل لديهم تأشيرات صالحة أو تصاريح إقامة، ولم يتم اتهامهم بارتكاب أي جريمة، بحسب تقرير نشرته المنظمة على موقعها على شبكة الإنترنت.
وأضاف الشوفي، المقيم حالياً في القاهرة، أنه "لم يتضح حتى الآن موقف السلطات المصرية القائمة من السوريين، ففي الوقت الذي يتم فيه اعتقال وترحيل بعضهم لم نٌلاحظ مواقف متشددة في منح الإقامات لآخرين".
وطالب السلطات المصرية بـ"الكشف عن الملابسات القانونية لحملة الاعتقالات وتبيان ما إذا كان من يتم اعتقاله ارتكب تجاوزات قانونية أم لا، أم بسبب نشاطه السياسي أم هو قرار عام بحق السوريين؟."
و قال دامس الكيلاني مشرف عام "تنسيقة الثورة السورية" في مصر، إحدى التنسيقيات الإعلامية التابعة للمعارضة، إن "الاعتقالات العشوائية التي شنتها السلطات المصرية بحق عدد من اللاجئين السوريين مؤخراً جعلتهم في حيرة من أمرهم، وجعل الشائعات والمبالغات تنتشر بينهم بشكل كبير".
وعبرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 26 يوليو الماضي عن قلقها إزاء قيام السلطات الأمنية المصرية بالاعتقال والاحتجاز لأعداد متزايدة من السوريين، بينهم عدد من القصر والأشخاص المسجلين لدى المفوضية.
وأشار الكيلاني، في تصريح لـ"الأناضول"، إلى أنه من حق السلطات المصرية اتخاذ إجراءاتها القانونية بحق المخالفين والمتجاوزين للقانون لكن بشرط أن تكون تلك الإجراءات واضحة، فمثلاً حين يتم التدقيق على موضوع الإقامات وصلاحياتها، يتوجب توعية المخالفين من السوريين بمخالفتهم ومنحهم فترة معينة لتسوية أوضاعهم، ومن ثم محاسبتهم، أما القيام باعتقالات عشوائية وترحيل بعضهم دون معرفة الأسباب، فهو أمر غير مقبول".
ومنذ بداية الصراع السوري / مارس 2011، تمتع السوريون بأجواء يسودها ترحيب بالغ في مصر، فقد منحتهم الحكومة تأشيرات دخول غير مشروط وتصاريح إقامة، ووفرت لهم كامل الخدمات العامة، ولم يشعر السوريون بضرورة ملحة لتجديد تصاريح إقاماتهم المنتهية على النحو المطلوب.
وقال معتز شقلب، أحد السوريين الذين تم اعتقالهم وترحيلهم من مصر الأسبوع الجاري، إن السلطات المصرية أوقفته قبل حوالي عشرة أيام للتحقيق معه بتهم مختلفة، منها الانتماء لـ"الجيش السوري الحر" المعارضة ودعم جماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ ليتم إخلاء سبيله بعدها بسبب "عدم وجود أي دليل ضده"، على حد قوله.
وأضاف شقلب، المقيم في مصر منذ 25 عاماً قبل أن يرحل إلى تركيا، إنه بعد يومين من التحقيق الأول تم استدعاؤه للتحقيق مرة أخرى بنفس التهم المنسوبة إليه، فقام بنفيها مرة ثانية جملاً وتفصيلاً، حيث أكد للمحققين أنه كان يدعو السوريين على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) وكذلك على وسائل الإعلام، إلى عدم التدخل في الشأن الداخلي المصري ليتم الإفراج عنه كما المرة الأولى.
وحول عملية الترحيل، قال شقلب، في حديث هاتفي مع "الأناضول"، إنه طلب منه يوم السبت الماضي الحضور إلى المجمع الحكومي في منطقة التحرير وسط القاهرة (يضم إدارات حكومية عدة من بينها مكتب الجوازات)؛ ليفاجأ فور حضوره بطلب جواز سفره، ومن ثم قام أحد المسؤولين بــ"إمهار ختم (خروج) على إقامته الخماسية (إقامة لمدة خمس سنوات تمنح للمستثمرين الأجانب)، وعند الاعتراض قيل له إنه صدر بحقه قرار بمغادرة البلاد فوراً دون تبيان السبب"، على حد قوله.
وأضاف أن طلبه بتوديع أطفاله الأربعة الذين تركهم بمفردهم في المنزل، قوبل بالرفض القاطع، مشيرا إلى أن لديه شركة لتنظيم المعارض في مصر يعمل فيها 140 عاملاً، ولم يتم السماح له بإنهاء أي من أعماله التجارية والمالية، وإنما تم السماح له فقط بإجراء اتصال هاتفي مع أحد أصدقائه ليقوم بحجز تذكرة طيران له إلى تركيا".
وعن علاقة التهمة المنسوبة إليه، وهي المشاركة في اقتحام السفارة السورية في القاهرة، باعتقاله وترحيله، علق شقلب بأنه "لا علاقة.. وأنا أخضع لمحاكمة أمام القضاء المصري في دعوى رفعتها عليَّ السفارة السورية لموقفي المؤيد للثورة السورية رغم أنني، وبشهادة شهود، لم أكن في منطقة السفارة وقت اقتحامها، ولا تزال جلسات المحاكمة قائمة، حيث أجلت الجلسة الأخيرة إلى 24 أيلول/ سبتمبر القادم".
وقام عدد من المتظاهرين مطلع فبراير الماضي باقتحام مقر السفارة السورية بالقاهرة؛ للتنديد بممارسات نظام بشار الأسد بحق الشعب السوري.
وإضافة إلى شقلب، رحّلت السلطات المصرية منتصف يوليو الماضي الناشط والممثل السوري، حسام ملص، إلى الأردن بعد اعتقاله لمدة أسبوع، وتوجيه تهم له بالانتساب إلى "الجيش السوري الحر" وحيازة أسلحة، وفقا لتصريحات شقيقه محمد ملص.
من جهته، قال مسؤول أمني رفيع المستوى في مديرية أمن القاهرة إن "حالات القبض على عدد من السوريين ليست تعسفية كما يُشاع، وإنما تتم وفق مخالفات قانونية بعينها، كعدم وجود إقامة لديهم، أو ثبوت إضرارهم بالأمن القومي المصري أو ممارستهم نشاطاً غير مشروع".
ومضى المسئول، الذي تحدث لمراسل "الأناضول" شريطة عدم ذكر اسمه، قائلا إنه "ليس صحيحا أننا نلقي القبض على اللاجئين السوريين لأسباب سياسية أو لأن بعضهم متواجد في ميدان رابعة العدوية حيث يعتصم مؤيدون للرئيس المعزول منذ أكثر من شهر، فجميع من ألقي القبض عليهم ليس لديهم مسوغ قانوني لوجودهم في البلاد، كما انه يتم عرضهم على النيابة العامة لتقرر وضعهم".
ورفض المسئول الإفصاح عن عدد اللاجئين السوريين الذين تم اعتقالهم خلال الفترة الماضية، غير أنه قال إن عددهم "أقل من عشرات بالطبع"، على حد تعبيره.
وبحسب تقديرات الحكومة المصرية، يوجد ما بين 250 و300 ألف سوري في مصر حالياً، بينهم 80 ألفاً مسجلين لدى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، بينما حصل أكثر من 28 ألفاً على مواعيد مؤكدة للتسجيل خلال الأسابيع القادمة. بينما يقول الكيلاني إن عدد السوريين في مصر "يتجاوز المليون"، وفقا لتقديره.
وكانت الحكومة المصرية فرضت مؤخراً شروطاً لدخول السوريين، بينها الحصول على تأشيرة وتصريح أمني قبل القدوم إلى مصر، وجرى إعادة عدد من الرحلات الجوية، التي تقل المئات من السوريين، من مطارات مصرية؛ جراء عدم التزام المسافرين على متنها بالشروط الجديدة.
ومطلع الشهر الماضي، وقعت 20 جمعية وجبهة سورية، تمثل الجالية السورية في مصر، بيانا أعلنت فيه أنها تقف على مسافة واحدة من كل ما يحدث في مصر، وأنها ليست طرفا في الأزمة السياسية بين المصريين.

0 التعليقات:
Post a Comment