اتفق دستور 2012 ومشروع دستور 2013 بشأن نص المادة الثانية ؛ ( مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ) .. دستور 2012 أضاف المادة ( 219 ) والتي تنص على أن ؛ ( مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المُعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة ) .. مشروع دستور 2013 حذف المادة ( 219 ) وزاد في ديباجته ؛ ( وأن المرجع في تفسيرها هو ما تضمنته مجموع أحكام المحكمة الدستورية العُليا في هذا الشأن ) ..
ويزعم "النوريون" أن إضافة مشروع 2013 أفضل من إضافة دستور 2012 استنادًا لأحكام - أخطَأوا في فهمها - صدرت من المحكمة الدستورية العُليا تعتبر "الإجماع" و "الاجتهاد" من مبادئ الشريعة !!
والحق الذي لا يُمكن لأي رجل قانون أن يُجادل فيه ؛ أن هذا الزعم باطل بما استُدل به له ، وذلك لعدة أسباب ؛
-- أولًا ؛ أن "الديباجة" ليس لها أي قيمة قانونية إلزامية ، بل القيمة القانونية للنصوص الدستورية هي في النصوص ذاتها ، والديباحة ما هي إلا تمهيد أو مقدمة لا يُمكن الاحتجاج بها في شأن تفسير أي نص تشريعي ، ولذلك الخطأ فيها أو مخالفتها لصريح النصوص غير معتبر ولا يضر ، فهي أقل شأنًا من ديباجة الأحكام ومع ذلك فقضاء النقض مستقر على أن الخطأ فيها "لا يعيب الحكم إذ هي خارجة عن مواضع استدلال الحكم" .. والعُمدة في تفسير تلك النصوص هي بما ورد في الفقرة الأولى من المادة (191 ) من الدستور ؛ ( تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح وتفسير النصوص التشريعية ) ، فلا اجتهاد ولا اعتبار لما ورد بالديباجة مع صراحة نص المادة المذكورة .. وقد أكد مشروع 2013 على هذا المعنى بحذف الفقرة الأخيرة من المادة ( 4 ) من دستور 2012 والتي كانت تنص على أن ؛ ( ويُؤخذ رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف فى الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية ) ، لتنفرد بذلك المحكمة الدستورية العُليا دون غيرها بمهمة تفسير المراد بالـ "مبادئ" دون مُعقب ، أما المادة ( 227 ) بشأن اعتبار "الدستور بديباجته وجميع نصوصه نسيجًا مترابطًا وكلًا لا يتجزأ" فهي مادة مطاطة تُحيل لنصوص غير ملزمة لا يُمكن أن تنتقل لمرتبة النصوص الدستورية طالما لم تندرج ضمن مواد الدستور ، بالإضافة إلى أنها لن تُمثل أي فارق في ظل صريح نص المادة ( 191 ) ..
-- ثانيًا ؛ وبفرض أن "الديباجة" لها قيمة قانونية إلزامية - والفرض ليس بحقيقة - فإن الديباجة المشار إليها تُؤكد معنى أن المقصود بـ "المبادئ" هي "الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة" ليس أكثر ولا أقل .. لأن العبرة كما أوضحت الديباجة هي بالنظر لـ "مجموع أحكام المحكمة الدستورية العُليا في هذا الشأن" .. أي لا عبرة لحكم دون غيره ، وأحكام الدستورية العُليا استقرت استقرارًا تامًا على أن المقصود بـ "المبادئ" هي "الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة" ، ولا عبرة بعد هذا بأي حكم شاذ - بفرض وجوده - يخرج عن المعنى الذي استقرت عليه الأحكام في مجموعها ، لأن الشاذ لا حُكم له ، ولأن رفع التناقض الحاصل بين الحكم الشاذ وباقي أحكام الدستورية العُليا يقتضي إهمال الحكم الأول لأن الجمع بينه وبين باقي الأحكام غير ممكن .. وقد أكد مشروع 2013 على هذا المقصد بحذف المادة ( 219 ) التي نص عليها دستور 2012 ..
-- ثالثًا ؛ لا يوجد أي حكم صادر عن المحكمة الدستورية العُليا نهائيًا وبصورة قاطعة يعتبر "الإجماع" من "مبادئ" الشريعة الإسلامية لا صراحةً ولا ضمنيًا ، والدعاوى التي أوردها أصحاب هذا الزعم وأُثبتت في مضابط لجنة الخمسين - الطعن 6 لسنة 9 ق والطعن 116 لسنة 18 ق - إنما أقامها الطاعنون - أي الذين أقاموا الدعوى أمام المحكمة الدستورية - على عدة أسباب من بينها أن "الإجماع من مبادئ الشريعة" ، لكن المحكمة عندما قضت بعدم دستورية النصوص المطعون عليها لم تستند في حيثيات حُكمها على سبب "الإجماع" الذي أورده الطاعنون ولم تتعرض له لا من قريب ولا من بعيد ، وإنما بنت حكمها على أسباب أخرى كما هو واضح جدًا في حيثيات الحكمين ..
-- رابعًا ؛ النص على أن "الاجتهاد من مبادئ الشريعة" لم يرد في أي حكم إلا للتأكيد على أن مبادئ الشريعة هي "الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة" وما دون ذلك من أحكام الشريعة فإنه إنما يقبل الاجتهاد بدون أي التزام شرعي لا من القرآن ولا من السُّنة ولا من الإجماع ولا أقوال الصحابة ولا مذاهب الفقهاء ، وهذا صريح نصوص أحكام المحكمة الدستورية العُليا ، فالاجتهاد المقصود في قضاء الدستورية هو اجتهاد "البرلمان" دون غيره باعتباره السلطة المعنية بالتشريع - وليس اجتهاد الفقهاء ولا حتى القضاة - والاجتهاد بهذه المثابة مانع من الوقوع في حومة المخالفة الدستورية ، وفي شأن ذلك قضت المحكمة - الطعن 14 لسنة 21 ق - بأن ؛ ( النص في المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها عام 1980 م يدل على ما جرى به قضاء هذه المحكمة على أنه لا يجوز لنص تشريعي يصدر في ظله أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها معًا ، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يمتنع الاجتهاد فيها ، لأنها تُمثل من الشريعة الإسلامية ثوابتها التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا ، أما الأحكام غير القطعية في ثبوتها أو في دلالتها أو فيهما معًا ، فإن باب الاجتهاد يتسع فيها لمواجهة تغير الزمان والمكان ، وتطور الحياة ، وتنوع مصالح العباد ، وهو اجتهاد إن كان جائزًا أو مندوبًا من أهل الفقه ، فهو في ذلك أوجب وأولى لولى الأمر ليواجه ما تقتضيه مصلحة الجماعة درءًا لمفسدة أو جلبًا لمنفعة أو للأمرين معًا ) ..
-- خامسًا ؛ مشروع دستور 2013 لم يتضمن بحال من الأحوال أي إلزام بمراجعة التشريعات السابقة فيما يتعلق بمدى مطابقتها للشريعة الإسلامية ، بل القاعدة القانونية المستقر عليها في قضاء الدستورية العُليا أن العبرة في النصوص هي من تاريخ العمل بها ، ولا عبرة للقيد الوارد على المادة الثانية إلا من تاريخ تعديله ، وفي شأن ذلك قضت - الطعن 28 لسنة 20 ق - بأن ؛ ( من المقرر كذلك أن كل مصدر ترد إليه النصوص التشريعية أو تكون نابعة منه ، يتعين بالضرورة أن يكون سابقًا في وجوده على هذه النصوص ذاتها ، ذلك أن مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية التي أقامها الدستور معيارًا للقياس في مجال الشرعية الدستورية ، تفترض لزومًا أن تكون النصوص التشريعية المدعى إخلالها بمبادئ الشريعة الإسلامية صادرة بعد نشوء قيد المادة الثانية من الدستور الذي تقاس على مقتضاه ، بما مؤداه أن الدستور قصد بإقراره لهذا القيد أن يكون مداه من حيث الزمان منصرفًا إلى فئة من النصوص التشريعية دون سواها ، هي تلك الصادرة بعد نفاذ التعديل ، فإذا انطوى نص منها على حكم يُناقض مبادئ الشريعة الإسلامية ، فإنه يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية ، وإذا كان هذا القيد هو مناط الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة على دستورية القوانين واللوائح فإن النصوص التشريعية الصادرة قبل نفاذه تظل بمنأى عن الخضوع لحُكمه ) ..
-- حاصل القول أن كلمة "مبادئ" الواردة في المادة الثانية بوضعها الحالي في "وثيقة لجنة الخمسين" لا يعدو المقصود منها "الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة" ، ولا تنصرف بحال من الأحوال إلى القوانين المسنونة قبل تعديلها في مايو 1980 - وتشمل قوانين العقوبات والإجراءات والمرافعات والمدني والإثبات وإيجار الأماكن وغير ذلك - حسبما استقرت عليه أحكام الدستورية العُليا .. وعلى الله قصد السبيل ..
النص الأصلي
0 التعليقات:
Post a Comment