قلنا فيما سبق حينما تحدثنا عن تلك الصناديق التي تتحكم في مفاصل الدولة المصرية العميقة، أنه من الضروري فتح هذه الصناديق من خلال مفاتيحها الأساسية خاصة حينما يتوفر: معنى الثورة، وخُلق الإخلاص، وجرأة الحق.
في مشهد غاية في الأهمية قام المستشار هشام جنينة بالدور الحاسم في مشهد يتعلق بكشف الصندوق الأسود لشبكات الفساد في الدولة المصرية، نعرف أن ما قدمه سعادة المستشار لم يكن إلا عينة تؤشر على فساد نخر في كيان الدولة والمجتمع، وهو باعتباره رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات قدم اتهامات مباشرة لكثير من مؤسسات الدولة التي تملكها الفساد واغتصب هؤلاء من أموال وأملاك الدولة مستولين عليها لمصلحتهم من كل طريق.
فماذا نعني إذن بصندوق الفساد؟؛ إلا أن يكون الصندوق المتشكل من اتحاد المصالح وشبكة التحالفات ومؤسسات الفساد التي تحولت من مواجهة الفساد إلى حالة من إدارة الفساد، وشكلت كل تلك الأمور من مصالح وتحالفات ومؤسسات شبكات للفساد ،استطاعت أن تتواصل مع بعضها إذ كونت بذلك صندوقا أسود مثّل حالة من حالات العتمة والإظلام، وحالة من التعتيم في مواجهة الشفافية والمساءلة والمحاسبة، ونتعرف على صندوق الفساد من خلال مؤشرات الفساد لدى الحكيم طارق البشري:
ظاهرة الفساد أعم من أن تكون قاصرة على الجانب المالي مهما كان الجانب المالي يمثل الغالب من حالاتها.
الظاهرة لا تلازم فقط تخصيص الموارد الاقتصادية أو توزيع العائد الاقتصادي، إنما تعم وتشمل تخصيص "الشأن العام" برمته، وتحويل الشأن العام للجماعة إلى شأن خاص سواء لأفراد حاكمين أم لجماعة صغرى حاكمة ومسيطرة.
الفساد فرع من ظاهرة شخصنة الشأن العام وتحويل الشئون العامة إلى شئون خاصة في بواعث إصدار التصرفات العامة، وفي تحقق ثمرات هذه التصرفات.
صندوق الفساد إذا تتسع مساحاته وتختلف أشكاله وتتخفى أساليبه فتستحق وصفها بالسواد والعتمة.
خريطة الفساد:
رسم سعادة المستشار خريطة لفساد مؤسسات الدولة توضح إلى أي مدى وصل الفساد في الهيكل المؤسسي للدولة المصرية بدءا من مؤسسة الرئاسة التي أشار إلى أبرز مخالفات الرئيس المخلول مبارك تمثلت في مخالفات مالية بلغت مليار و100مليون جنيه ( حوالي 158 مليون دولار) أنفقت من ميزانية مؤسسة رئاسة الجمهورية علي قصور وعقارات مملوكة ملكية خاصة للرئيس الأسبق حسني مبارك وأسرته، ومخالفات أخرى للرئيس محمد مرسي تمثلت في تعيينات بالمخالفة لقانون العمل، وتقاضيه بعض البدلات بالمخالفة للقانون، ومرورا بمؤسسات الدولة المختلفة التي تستعين بمستشارين وتنفق عليهم المبالغ الطائلة بعيدا عن الرقابة، وبدون مسوغ قانوني، وذلك قطاع النقل البحري الذي يمارس مخالفات تكبد الدولة الخسائر الفادحة ماديا وبشريا، وقطاع البترول الذي أهدر على الدولة مليارات الدولارات وغيرها من المخالفات الخطيرة، كما رصج التعدي على نهر النيل في معظم محافظات مصر البالغة 27 محافظة بمخالفات تصل إلي 18 مليار جنيه من جانب جهات سيادية وصولا إلى رصده لتجاوزات تصل إلى حوالي من 26 مليار جنيه لصالح أجهزة ومسئولين في الدولة.
كيف تحول الفساد إلى مؤسسات:
في كشف غاية في الأهمية لصندوق الفساد الأسود كانت هناك إشارة غاية في الأهمية في هذا المقام حينما أشار إلى مؤسسات الفساد وفساد المؤسسات، وبتعبير بليغ عن هذا إنما كان يشير بإجابة واضحة عن الكيفية التي تحول بها الفساد إلى مؤسسات في المجتمع لا تكتفي بممارسات فسادها، ولكنها تحقيق مصالحها التي تتعلق بشكبة الفساد حتى أن الأمر وصل بالأمر إلى أن وصف هذه الحالة بالوظيفة الإفسادية للدولة، وتحرك الفساد ليجعل من السماح ببيئة من الفساد الصغير إلى ممارسة الفساد الكبير ضمن عمل مؤسسي تحركت هذه المؤسسات لتشكل مصالح الفساد وتحالفاته والقدرة على حمايته واستمراره.
كشف الفساد طاله الفساد:
من دولة الفساد العميقة كان الأمر خطير في نظام المخلوع مبارك كان كشف الفساد نوع من تصفية الحسابات بين بعض الأجنحة التي طالها ذلك الفساد ولكن المعنى الأكبر الذي كشف عنه سعادة المستشار هو كيف يحمي الفساد نفسه بمؤسسات مختلفة حتى أن أجهزة كشف الفساد قد طالها الفساد حينما تتعاون في محاربته أو تحاول دفن جريمته أو تعتم على من شارك فيه أو يحميه، هذا المقام الذي عبر عن حالة من التواطؤ جعل من كشف الفساد فسادا حرك كل صنوف الدولة العميقة حينما جعلت من تلك الشبكات محمية تارة بالتعتيم وتارة أخرى بالتواطؤ والتعويم، وكشف عن ذلك في خريطة مذهلة تتعلق بصميم عمل الجهاز المركزي للمحاسبات الذي قام بدوره في الإشارة إلى ريطة عفنة من الفساد فإذا بها تواجه بحاله من التعتيم الرهيب والتعويم الخطير لحماية فساد كبير وأشار إلى حالة الاستيلاء على أراض مساحتها " 35 " ألف فدان (مساحة زراعية) وتعرف بالحزام الاخضر ويقصد به مساحات خارج الحيز العمراني للمدن الجديدة من جانب "الاجهزة الرقابية المعنية بكشف الخلل في تخصيص الأراضي داخل الحيز العمراني أو خارجه وعلي رأس الأجهزة، جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حاليا) فرعا القاهرة الجيزة، والرقابة الادارية، والنيابة العامة، ونادي القضاة (نادي خدمي اجتماعي)، وبعض الجهات القضائية".، وقدر المخالفات بــ 3 مليارات جنيه (431 مليون دولار).
الدولة العميقة تحمي الفساد :
غاية الأمر في هذا المقام أن حالة الهجوم الشديد على من تجرأ وفتح صندوق الفساد أن ما أشرنا إليه من دولة عميقة تتحكم بمفاصل الدولة والمجتمع تقوم بهذا الأمر في سياق أن هذه الدولة تغذي الفساد ويغذيها الفساد وهي ما كونت مجموعة من المصالح وأنتجت مجموعة من التحالفات وجعلت من شبكات الفساد جزء لا يتجزأ من حالة الحكم في مصر، لا يجرؤ كائن من كان على الدخول في عش الدبابير، فمن بين 428 بلاغا تقدم بها الجهاز للنائب العام، منها 265 لم يبت فيها حتى الآن، و28 قضية حفظت، و227 قضية لجهاز الرقابة الإدارية، منها 161 قضية لم يبت فيها حتى الآن، و17 قضية حفظت، و65 قضية لجهاز الكسب غير المشروع لم يبت سوى فى 3 منها، وتم حفظ 6، مشيرا إلى أنه لا يعلم أسباب عدم البت فى تلك القضايا.
الأمر المؤكد أن حالة التعتيم على تلك البلاغات تشكل حالة تغافل وتعتيم على حالات الفساد ،تمثلها بلاغات الجهاز المركزي للمحاسبات للجهات المعنية ضمن هذه الأشكال الدالة فى هذا المقام:
مصير البلاغات:
أولا بلاغات النائب العام:
ثانيا الرقابة الإدارية:
ثالثا: جهاز الكسب غير المشروع:
ومن الأهمية بمكان أن نؤكد أن مجرد مواجهة الفساد يمكن أن يوفر أموالا كثيرة يمكن أن تصب في عملية التنمية ذلك أن الفساد في هذا المقام يأكل التنمية كما يأكل الإنسان، وهو أمر يجعل من التعرف على صندوق الفساد الأسود ومكوناته وعلاقاته ومؤسساته وآليات حمايته واستمراره من أهم الصناديق التي وجب التوجه إليها بفك شفرتها وإزاحة الغطاء عنها، ذلك أن منانجازات ثورة 25 يناير أنها أزاحت الغطاء وكشفت المستور عن هذا الصندوق التي أشر إلى تجريف كثير من العلاقات وديناميات الحياة السياسية والمجتمعية فأحدثت تخريبا متعمدا لشبكة العلاقات المجتمعية الصحية وأبقت على حالة الضعف لشبكة العلاقات السياسية بما يضمن حماية هذا الفساد والمحافظة على استمراراية شبكاته وقدراته.
ثورة 25 يناير تؤكد ضرورة فتح الصندوق الأسود للفساد:
شكلت بذلك محكا لهذا الصندوق والوقوف على مفاصلة والقدرة تبديد عتمته وكشف ظلاميته، ومن هنا كان هذا البيان الذي أطلقه المستشار من تيار الاستقلال عملا غاية في الأهمية، وكانت المنظومة الانقلابية بكامل قواها وعناصرها قد حركت كل أجهزتها في إطار عملية تعتيم كبرى على كشف المستور في صندوق الفساد الأسود وفي إطار حملة من كشف الشفافية واستبعاد أي حالة من حالات المساءلة ، ومن ثم يبدو ذلك واضحا من مؤسسات الإعلام التي تشكل حلقة من حلقات حماية الفساد مارست قدرا من الإهمال والإغفال لهذا البيان في المؤتمر الصحفي الذي أعلنت فيه هذه الحقائق التي لا تقبل إلا حالة من حالات المساءلة المباشرة والمحاسبة الدقيقة، وقد ترافق مع هذا التعتيم الإعلامي حالة من حالات تجاهل أجهزة الدولة وخرجت بعض التصريحات هنا أو هناك في جوقة من الاغتيال المعنوي للمستشار الذي تجرأ على فتح الصندوق الأسود، وبدت هذه التصريحات تشير أن المشتشار يقوم بتصفية حسابات أو أنه يشوه عن عمد، فضلا عن تلك الاتهامات التقليدية بكونه من بقايا أخونة الدولة بل ودفعوا على طريقتهم من قدم بلاغات في المستشار القابض على الحق تحاول التشكيك ليس فقط في ما قدمه من بيانات بل والتشكيك في شخصه في عملية اغتيال معنوي رهيبة تؤكد كيف تمكنت دولة الفساد من الدولة العميقة وجعلت من هذا الشأن أمرا لا يستطيع أحد كائنا من كان أن بفض أسراره أو يكشف أستاره.
ومن هنا إن هذه الثورة حينما أشارت إلى هذا الصندوق في إطار تحقيق استراتيجية العدالة التي تعني محاربة الفساد إنما يؤشر ومن كل طريق إلى الضرورة الكبرى في أن يكون أحد أهداف استعادة ثورة 25 يناير هو الإصرار على فتح هذا الصندوق الأسود وفك شفرلا عتمته وقيام الناس بالوقوف خلف هؤلاء الشرفاء الذين يكشفون الفساد بحيث يطالب هذا الشعب الثار من كل من لديه قدرة على كشف بعض هذا المستور أن يتقدم لكشفه وفي إطار مساندة ظهير شعبي يقدم كل التأييد والمساندة لهؤلاء في معركة كشف صندوق الفساد،
حينما تكتشف مثلا من يمتلك أراض الدولة فيجب أن تتعرف على تلك المؤسسات التي خلف إدارة البيع والشراء فيها، وكذلك فإن الحديث عن الميزانيات كرقم واحد لا تجدي معه المساءلة أو المحاسبة فإن ذلك مشروع فساد، وحينما تغطى كل هذه الأمور بمقولة مطاطة حول الأمن القومي فإن ذلك ليس إلا غطاء كثيفا لعمليات فساد تتم، وحينما تخصص الأمور من خلال سياسات وقرارت بالاسناد للمشروعات بالأمر المباشر فإن ذلك في حقيقة أمره قدي حرك بعض منظومات لا يمكن تجاهلها بالغطاء القانوني والتشريعي تمرر هذه الأمور لحماية الفساد واستمراره .
ومن ثم ليس عجيبا في هذا المقام أن نشير إلى أن المؤسسات التابعة لمنظومة الانقلاب التي تمثلت أحد تجلياتها في اللجنة المعينة التي وضعت دستورا جديدا قد ألغت المادة التي تتعلق بإنشاء مفوضية عليا لمكافحة الفساد، وكأنها بذلك أرادت أن تبقي على كل المناخ المواتي لشبكات الفساد أن تعمل في راحة وأن تقوم بنشاطها في إباحة وأن تتعامل مع المال العام بالاستباحة.

0 التعليقات:
Post a Comment