يقولون إن الثوار لا يعترفون بأخطائهم وأنهم يضفون على أنفسهم قداسة وعصمة تمنعهم من مراجعة الذات وتقويم المسار وإعادة قراءة التجربة، والحقيقة غير ذلك، فكل من انتمى لهذه الثورة وكل من شاركوا فى إشعال فتيلها وكل من مهدوا لها بالنضال أيام نظام مبارك يدركون أن هناك عوامل للإخفاق هم يتحملون مسئوليتها بالتوازى مع المؤامرات التى خططتها الثورة المضادة وساعدت على إجهاض الثورة أو بالأدق إجهاض موجتها الأولى التى بدأت فى 25 يناير.

رحلة المراجعات طويلة تبدأ من قبل الثورة وتمتد إلى لحظتنا هذه وحتى لا يحتار القارئ سأجعلها أسئلة وإجابات تلخص رؤيتى الشخصية لتجربتنا بشكل عام وتجربتى التى كانت جزءا من التجربة الأكبر ونبدأ من عام 2010 لنتفحص حالنا.


هل كانت المعارضة متحدة قبل ثورة 25 يناير ؟

لم تتوحد المعارضة بشكل كامل رغم وجود الجمعية الوطنية للتغيير التى أسسها الدكتور البرادعى وتحركت بجوار حملة البرادعى وحركات أخرى لجمع التوقيعات على بيان التغيير وكانت الاختلافات واضحة بين مكونات الجمعية من أحزاب وشخصيات سياسية وظهرت جليا وقت انتخابات البرلمان 2010 حيث قررت جماعة الإخوان التى كانت جزءا من الجمعية الوطنية للتغيير وقرر السيد حمدين صباحى وآخرون خوض الانتخابات رغم دعوة البرادعى للمقاطعة لإسقاط الشرعية عن النظام وجرى ما جرى من تزوير صارخ كان رد الفعل أمامه هو تكوين البرلمان الشعبى الذى تبنى فكرته الدكتور أيمن نور والدكتور البلتاجى وآخرون، أما على مستوى الشباب فلم نتوحد بالكامل قبل الثورة وكانت هناك اختلافات فكرية وسياسية وأيضا شخصية أدت إلى تحرك كل مجموعة بمفردها بالرغم من بعض الفعاليات التى جمعت بين حركات مثل 6 أبريل وحملة البرادعى وغيرهم فى بعض الأوقات.


هل توحد الشباب أثناء الثورة وأثناء أيام الاعتصام بالتحرير ؟

توحد الشباب وكل المجموعات فى الدعوة للحشد للتظاهر يوم 25 يناير وتم الاتفاق على توحيد الشعارات والهتافات وتم تنسيق واختيارات أماكن النزول لكل مجموعة بالقاهرة والمحافظات ولعب وائل غنيم دورا كبيرا فى ذلك كأدمن رئيسى لصفحة كلنا خالد سعيد وكان طرفا محايدا بالنسبة لكل المختلفين – لم يكن يعرف شخصية وائل حينها سوى عدد صغير جدا من المقربين – وأتذكر الروح الطيبة التى تحلى بها الجميع حينها فى التنسيق ونجح اليوم بامتياز بعد أن استطعنا الوصول لميدان التحرير قبل الغروب وإعلان الاعتصام حتى تم فض الاعتصام بوحشية شديدة واعتقال بعضنا ثم جاء يوم 28 يناير لتنتقل الثورة من إطار النشطاء والمجموعات الشبابية المسيسة إلى الإطار الشعبى الأوسع الذى بدأ به اعتصام الثمانية عشر يوم حتى التنحى، ورغم أن الأجواء العامة للاعتصام كانت توحى بوحدة الجميع إلا أنها كانت وحدة هشة أخفى هشاشتها المطلب الرئيسى وهو رحيل مبارك، رغم كل الأجواء الرومانسية والإنسانية التى غمرت الاعتصام لم يتوحد السياسيون على رؤية لما بعد مبارك وكانت هذه الطامة الكبرى التى نتحمل جميعا مسئوليتها وخاصة رموزنا الكبار – الذين اعتقدنا أنهم كبار- اتفقنا على رحيل مبارك ولم نتفق ماذا نفعل بعد رحيله، لم نكن مستعدين لحظة تنحى مبارك وتسليمه السلطة للمجلس العسكرى برؤية موحدة لإدارة مصر بعد التنحى.

لم تكن لدينا نخبة تستطيع ملء هذا الفراغ وتلقف المجلس العسكرى هذه الحالة المثالية لإضعاف أى ثورة وبدأت المقابلات مع النخبة السياسية منفصلة تارة يجلسون مع البرادعى ومعه آخرون وتارة يجلسون مع الإخوان وحدهم وتارة أخرى يجلسون مع بعض الوجوه الشبابية المختلفة بشكل منفصل أيضا ولم نصل فى النهاية لشىء ليعود المسار الاحتجاجى مرة أخرى للشارع للحصول على مطالب جزئية مثل إقالة حكومة شفيق ومحاكمة مبارك دون أن تتبلور رؤية ثورية أو رؤية إصلاحية واضحة للتعامل مع دولة مبارك التى ظلت قائمة بمؤسساتها وشخوصها وفسادها.




هل كان يجب عدم ترك الميدان فى 11 فبراير ورفض تسليم مبارك السلطة للمجلس العسكرى والبحث عن بدائل أخرى لإدارة مصر عقب التنحى؟

بعض من يتابعون المشهد المصرى من الخارج يرون أن الموافقة على ما فعله مبارك من تسليم السلطة ضرب من الحماقة والجنون لأن شيئا لم يتغير بتنحى مبارك وتغير الوجوه ، ويرون أن كل النخب السياسية التى وافقت على ذلك ولم تحذر الجماهير من عاقبته هى نخب حمقاء بامتياز ولهم كل الحق فى ذلك فثورة تنقل السلطة من شخص ومؤسسة إلى مؤسسة أخرى داخل هذا النظام يعنى اللاشىء!

لكن الحقيقة التى يجب أن نصارح أنفسنا ونحن فى طور التقييم يجب أن نسأل أنفسنا:

1 – هل كانت هناك مؤسسة غير المؤسسة العسكرية تستطيع ملء الفراغ بعد تنحى مبارك؟

2- هل كان لدى النخبة السياسية والثوار تصور بديل قابل للتنفيذ ويمكن حشد الجماهير عليه؟

3- إذا وجد التصور للبديل هل كانت هذه النخب ستتفق عليه وتتوحد لتجبر المجلس العسكرى على تنفيذه؟

4- هل كان لدى الجماهير (طول نفس) لاستمرار الاعتصامات والاحتجاج حتى تحقيق هذا البديل؟

الإجابة على كل هذه الأسئلة هى (لا)، لم نتفق على دستور مؤقت اقترحه البرادعى ولم نتفق على مجلس رئاسى مدنى أو مجلس رئاسى مدنى – عسكرى ، ولم نتفق على خارطة طريق واحدة وترنحت كل النخب سواء الشباب أو الكبار ولذلك فرض المجلس العسكرى – بدعم من الإخوان للأسف – تصوره حين شكل معهم لجنة التعديلات الدستورية التى أخذتنا إلى (استفتاء مارس الأسود) والذى كان أول مسمار يدق فى نعش الثورة.

لا يرى الإخوان حتى الآن أن استفتاء مارس 2011 كان خطيئة قصمت ظهر الثورة وصنعت بداية الانقسام والاستقطاب الحاد الذى تطور للحظات مواجهة لم تكن أبدا فى صالح الثورة، أخطأ الثوار وأخطأ الإخوان وبدأت مرحلة جديدة انقسمت فيها قوى الثورة مرة أخرى عند بدء تكوين الأحزاب السياسية الجديدة، ونكمل حديث المراجعات فى المقالات القادمة...

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -