واشنطون دي سي من المدن اللي باعتبارها بمثابة منزل تاني لي، مش بحكم حلاوتها يعني، لكن بحكم العشرة، المدن اللي باقضي فيها مدة طويلة، أو بازورها كتير بتحظى بمكانة خاصة في قلبي وبيكون ليا فيها أصدقاء كتير، واشنطون، نيويورك، ستوكهولم، لندن، بيروت، تونس، وعمّان قبل أن تضعني المخابرات الأردنية على قائمة: "إقرفوه ده لما ييجي". هذه المدن غالبا ما أحتفظ بأبونيه مترو في محفظتي لكل منها كل الوقت، فلدي في محفظتي الآن مثلا كارت سمارتريب الذي أسميه أنا كارت السرقة الذكية، وهو خاص بمترو واشنطون، وكارت مترو نيويورك، وكارت أويستر لمترو لندن.

عشت في واشنطون لشهور عندما كنت متدربا في جريدة الواشنطون بوست، وذات مرة كتبت مقالا عن أحوال مصر تحت حكم مبارك على صفحة كاملة فيها عام 2007، وزرتها لثاني مرة مكرماً، كحاصل على جائزة نايت للتميز الصحفي من المركز الدولي للصحفيين، وكنت أول مصري يحصل عليها، وأول مدون على مستوى العالم أيضا يحصل عليها. ولدي كارنيه عضوية شرفية لنقابة المحامين الأمريكية هناك أو ما يسمى البورد، وتكرر ترددي على واشنطون لإلقاء محاضرات في جامعاتها، جورج تاون وجونز هوبكنز، كما أنني تحدثت مرتين في نادي الصحافة، إلى جانب حضوري لمؤتمرات خاصة بالصحافة والمجتمع المدني، ودي مناسبة إني أنكر أي علاقة أو تعاملات لي من قريب أو بعيد بالحكومة الأمريكية كما تقول الاتهامات J


من أقل الأماكن التي حظيت بزيارتي في واشنطون هو حي جورج تاون، حيث أن خطوط المترو لا تصل هناك، وتقول الأسطورة التي يتداولها سكان واشنطون، أن جورج تاون ليس بها محطة مترو لأن سكان الحي من الأثرياء، والنافذون في الحكومة وقفوا ضد مد المترو إلى الحي الراقي، وذلك لمنع اللصوص والفقراء من مرتادي المترو، من الوصول إلى حيهم المتميز، والحفاظ على رقيه.

جورج تاون حي تاريخي وتراثي، يمتلئ بالمحلات والبارات والمطاعم الراقية وأماكن الترفيه، خصوصا في ويسكونسن أفينيو وواشنطون هاربر، ويقع شمال غرب واشنطون على نهر البوتوماك، تأسس في القرن الثامن عشر وكان في الأصل تابعا لولاية ماريلاند، قبل إنشاء العاصمة دي سي بأربعين سنة، بقع به ميناء واشنطون وجامعة جورج تاون وعدد من السفارات مثل فرنسا وايسلندا والسويد وتايلاند واوكرانيا وفنزويلا والسفارة المصرية أيضا قريبة من هناك. وسكن به قديما الرئيس توماس جيفرسون، والرئيس جون كينيدي، والمخترع ألكسندر جراهام بل، والممثلة إليزابيث تايلور، والصحفي بوب وودوارد، صديقي وصاحب فضيحة ووترجيت.

وبمناسبة وودوارد، أول مرة قابلته قلت له: أنت الصحفي الذي خلع الرئيس نيكسون، وأنا أريد أن أكون المدون الذي يخلع الرئيس حسني مبارك، لكن ثورة 25 يناير حصلت وأتمنى أكون حققت أمنيتي بإني كنت جزء من القوة اللي خلعت مبارك، لكن ده مش موضوعنا حاليا أنا بس كنت باتمنظر J ونعود إلى جورج تاون.


يرد المؤرخون، والخبراء على أسطورة مترو جورج تاون بأن الأرض في تلك المنطقة تحت مستوى نهر بوتوماك، والحفر سيكون إما على عمق كبير ومكلف، أو سيتم إنشاء محطة سطحية، وكلا الحلين تم اعتبارهما كارثة غير عملية، وعند تخطيط المترو أصلا لم تكن هناك كثافة سكانية وكثافة أعمال تحتاج إلى محطة مترو، وبالتالي لم يكن في الخطة أبدا إنشاء محطة هناك، لكنهم لم ينكروا معارضة بعض السكان للأسباب المذكورة أعلى، وقالوا أن هذا حدث في مناطق أخرى وليس جورج تاون فقط، عموما، أختلف قليلا مع رأيهم بسبب وجود محطات أخرى قريبة من نهر بوتوماك مثل فوجي بوتوم جنوب الحي وروسلين على الطرف الآخر من النهر في فيرجينيا، لكن أنا في النهاية مش مهندس ولا مخطط مدن، ورحم الله أمرئ عرف قدر نفسه، لكن عموما أنصح مهندسي الطرق، ومخططي المدن الجديدة بقراءة كتاب The Great Society Subway، فهو مفيد جدا لهم




لكن في الزمالك تختلف الأسطورة، هناك، بالفعل، معارضة من سكان الزمالك المترفين لإنشاء محطة مترو، وفي بعض آرائهم وجاهة، وفي أغلبها شطط وطبقية مقيتة نحو بقية المجتمع، ولنبدأ بالآراء الوجيهة أولا:


الحكومة زورت موافقة الأهالي للجهة الممولة للمترو، تقارير بعدم صلاحية التربة، وإن كانت هذه تم نفيها، بزيارة وفد من المجموعة الأوروبية الممولة، وجود المترو سيزيد النزعة العشوائية، وستهدم فيلات الزمالك ويبنى مكانها أبراج، ده على أساس إن فيلا أم كلثوم مثلا لسه موجودة، عدم ثقة في تنفيذ المترو خصوصا بعد العيوب الفنية الجسيمة والتشققات والتسربات في الخط الأخير، الخوف على أساسات بعض المباني الأثرية والتراثية، الخوف على النباتات، أه والله فيه حد قال النباتات، ما ذنب النباتات صحيح J، شكوك في إهدار أموال في المشروع، الخوف من انتشار الباعة الجائلين والبلطجية ومواقف الميكروباص والتاكسي بجوار المحطة، وتهديد أمني للسفارات، وده على أساس إن دي مشكلة المترو مش مشكلة الشرطة المتراخية.


أما الآراء الطبقية الوقحة فتسمعها أكثر من الجيل الكبير في السن وتبدأ ب: مش ها نعمل مترو للخدامين، لازم تشيلوا كليات جامعة حلوان اللي فيها الطلبة البيئة دول، طبعا محدش جاب سيرة الجامعة الامريكية اللي في المرعشلي لأن دول ولاد ناس ونضاف، اختلاف ثقافة ركاب المترو عن سكان الزمالك، الزمالك ها تبقى جنينة حيوانات، أي والله، هذه اللفظة قيلت في لقاء مع رئيس هيئة مترو الأنفاق منذ بضعة أيام، وهو الحوار الذي طردوا منه طالبة بأحد كليات جامعة حلوان الموجودة بالزمالك بحجة أنها ليست من السكان، وقالت أستاذة اجتماع تربوي من السكان أنها لا تريد المترو لأنه سيجعلهم أقل من امبابة، وهددت إحدى الساكنات رئيس الهيئة قائلة: اللي ها يحط جاروف للمترو في الزمالك ها ندفنه!

الحقيقة أنا أميل لوجهة النظر اليسارية في الموضوع، فمن الرائع أن يكون هناك تأثير لتكتلات من المواطنين في المجتمع المحلي فيما تفعله الحكومة المركزية بمنطقتهم، وهذا ما نطالب به ثوريا، حوار مجتمعي ومجالس محلية حقيقية يؤخذ برأيها، لكن هذه التكتلات في حقيقة الأمر مجموعة من المتنفذين، تدفعهم مطالب طبقية تعارض مصالح القطاعات العريضة من المجتمع، وسبق أن رأينا تكتلات شعبية بمطالب أكثر احتراما ووجاهة، تمس صلب حياة المواطنين ومعيشتهم، وأرزاقهم بل وممتلكاتهم ومساكنهم، يطيح بها بطش الأمن، في جزيرة القرصاية مثلا، وقلعة الكبش، والدويقة، ورملة بولاق، ومطار امبابة، ومحور ميت عقبة، حتى أن بعض تلك المناطق تم إشعال النار فيها عمدا، وإخلاؤها جبريا، ومنع العودة إليها إما لصالح رجال أعمال، قد يكونون من قاطني الزمالك، وإما لصالح الجيش كما في القرصاية، وإما للمصلحة العامة كما ادعي بدون أي تعويضات، أنا لا أطالب بالمساواة في الظلم لسكان الزمالك كما يفعل النظام مع الضعفاء، لكن حبذا لو كان للمجتمع المحلي دائما رأي يعمل به في المواضيع الوجيهة، أما عن موضوع الزمالك فهو أجدع نضال من أجل أسوأ هدف.



0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -