تبدو الكتابة المليئة بالاستدراكات، والمتحوطة بالشروحات والتفسيرات، والمتطلبة لسيل من تبيان المواقف، وتأكيد على المؤكد والثابت والمعروف، تبدو هذه الكتابة سمة مراحل التوتر والتعقيد السياسي. صار لزاماً التحوط لسوء الفهم وسوء النية وإساءة التفسير والاستخدام، خصوصاً إن كان الجمهور عاماً وواسعاً جداً، متبايناً وعدائياً، في أحيان كثيرة.
هذا ما كان واضحاً في التعاطي مع هجوم باريس قبل أيام، فلا متسع لنقاشٍ، يبدأ من نقطة متقدمة، ولا بد من تبيان الرأي في كل شيء، قبل التقدم بطرح موقف، أو إثارة جدل، أو لفت الانتباه إلى زاوية مغيّبة متوارية. والواضح أن الانسحاق أمام هذه الحالة المربكة من طلب التحوطات والاستدراكات عند طرح أي رأي، يمنع إثارة النقاش الجاد، خصوصاً والعالم كله، كما يبدو، يغدو ساحة لأحداث شبيهة، وعلى صلة بما يجري في المنطقة العربية، وكلها ستثير حديثاً، قديماً جديداً، عن عالم اليوم الذي يرفض كثيرون العيش فيه، ويصرون على حالة من العيش خارجه، ضمن مقولات تنتمي لأزمنة أخرى، أو أحلام ومُثُل يسحقها الواقع الموضوعي مراراً وسط إنكارهم العنيد.
باريس اليوم تشبه عالم اليوم، بكل التباين والتنوع، وبكل الادعاءات والادعاءات المضادة، بالضواحي القريبة البعيدة عن صورة باريس في الأذهان، وفي باريس، أيضاً، من يريدون كوكباً تحكمه الشريعة، وممولون لأفكار تنتمي لقرون خلت. وهناك، أيضاً، ضحايا الهجوم قبل أيام، فنانون يراهنون على مطلقات فكرية غير موجودة، حتى في باريس نفسها. ومن الطريف، هنا، ملاحظة السرعة الهائلة التي انتشر فيها خبر عن طرد الصحيفة رساماً أزعج اليهود، بصرف النظر عن صحة الخبر من عدمها.
بحذر، وباعتباط ربما، يمكن التقاط تشابه بين منفذي هجوم باريس وضحاياهم، دع عنك تطرف كلّ منهم في صنعته، يتضح أن هؤلاء يعيشون خارج هذا العالم، لديهم تصورهم الخاص عن العالم، وفي الحالتين تبدو حالة "خارج العالم" من اختيارهم. في حالة القتلة هم يعيشون في زمن غابر، وينكرون أن كل ما تقدم، منذ لحظتهم التي يحاولون استعادتها، يتطلب منهم إعادة النظر في أفكارهم ومشاريعهم، وهم خارج هذا العالم مكانياً، يستغلون نظماً تشرع حرية التجمع والتنظيم والتعبير عن الرأي للتخطيط لنظام ينفيها جميعاً، يخرجون في تظاهرات لتطبيق الشريعة في أوروبا، ثم يهاجرون منها سعياً إلى فرض النقاب على السوريات!
إن كان الرسامون يعون احتمالية أن يتقدم ملثمون بسيارة فرنسية هادئة، ويترجلوا على مقربة من الصحيفة بثقة، حاملين أسلحتهم في جادة باريسية مظللة بالأشجار، ثم يطلقوا النار على من "يهينون زعيمهم"، إن كان الرسامون مع وعيهم بكل هذا رسموا ما رسموا، فقد مضوا إلى مصير يعرفونه، ولا يترددون في دفع كلفته، وهذا فعل بطولي بمقاييس عديدة، تتسق، فيه النهاية، مع مقدماتها. أما إن لم يعوا أن هذا وارد، واعتقدوا بوجودهم في فسحة من المثاليات والترف الفني والأمني، فهم لا يعرفون عالمهم، وهذا حال كثيرين، اليوم، يستيقظون على وقع أحداث مأساوية، ليدركوا أين وصل العالم. وأغلب الظن أن الرسامين كانوا يعرفون عالمهم، وتقدموا بشجاعة أو تهوّر، خصوصاً أن بعضهم توقعوا رئيساً "مسلماً" يطبق الشريعة في فرنسا، بعد أقل من دورتين انتخابيتين، وهذا، ربما، تجلّ أهم لإصرارهم على العيش خارج العالم.
إن "العالم" تعبير سائل مراوغ ومتغير، لكنه بالضرورة، اليوم، ليس عالم القتلة، ولا المقتولين في باريس. و"العالم" يظل يخذل تصوراتنا عنه، وتحديداً تصورات من يعتقدون أن لا شأن لهم بتغيّره وتحولاته، أو أنهم بعيدون بما يكفي عنها، خصوصاً حين يعتقدون أن "مخابرات دولية، أو مؤامرات كونية، أو قوى ماسونية، أو تنظيمات شبحيّة، أو مغامرات فردية" هي من تتولى كل ما يحصل في هذا العالم.
0 التعليقات:
Post a Comment