حين يتعلق الأمر بمليارات تُنفق من ميزانية بلد مُستنزف على مغامرات مُرتجلة، فإن حب الوطن لا يكون بالتهليل، ولو كان بحسن نية وصدق أمل، بل يكون بطرح الأسئلة الصعبة التي إن لم يواجهها الناس، سيواصلون تكرار أخطائهم التي لن يدفع الحكام أثمانها، وسيظل السيسي يواصل قفزه من مشروع دعائي إلى آخر، لأنه يدرك أن أحداً لن يحاسبه على إخفاقاته في تحقيق وعوده، أو حتى إثبات جديتها. ولذلك، نراه يعلن، كل شهرين، أو ثلاثة، مشروعا عملاقا، متبعا منهج "ممكن تلفُق المرة دي"، وهو منهج لو أدرت به بنزينة لأفلست، فما بالك بدولة مُجهدة، تحتاج إلى أن يكون استثمارها القومي في الإنسان قبل المباني، لأن المباني سيراميكية الواجهة، خازوقية الارتفاع، مليارية التكاليف، لن تفيد البلاد بقشرة بصلة، إذا كانت ستحوي داخلها عقولا مغيبة، وضمائر ميتة، وقلوبا غشيمة.
"من يَهُن يسهل الهوان عليه". ولذلك، لا تتوقع يقظة مفاجئة للمواطن الذي اختار إلغاء إرادته والتنازل عن حقوقه، ليستحضر روح الخروف التي كان ينتقدها. لذلك، لا تنتظره أن يسأل عن معالم التغيير في سياسات الحساب والعقاب التي ظهرت بعد فضيحة (جهاز الكفتة)، ليطمئن قلبه إلى جدية الإنجاز المنتظر الجديد، ولا أن يسأل عن جدوى تشتيت حكومة "مشتتة وتايهة خلقة"، بدلا من التركيز على مشروع قناة السويس الذي قيل إنه سيغير وجه الكون، من دون أن تبان لذلك أدنى أمارة، لا تنتظره أن يعترض على معرفته بقرار مهم، كإنشاء عاصمة جديدة، بشكل مفاجئ مهين، ينزع عنه حق الرفض أو التشكك أو النقد، ويجعل اختياره الوحيد التطبيل لذلك الماكيت القبيح المليء بالخوازيق البلاستيكية، ولا تتوقع منه حتى أن يغضب، حين يقول له بعض أنصار الجنرال، وبصريح العبارة، إن مظهره الرثّ لن يكون حضاريا وملائما لتلك المدينة، التي لن يدخلها "بسلام آمنين"، إلا الذين يعتقدون أن نظافة مظهر الإنسان تغفر وساخة تصوراته للكون والحياة، والتي تجعله مستعداً لأن يدوس على حقوق الآخرين في الحياة الكريمة والعادلة، ليضمن بقاء امتيازاته ومصالحه وتوريثها لأولاده وأحفاده.
للأسف، مهما حاول المنتقدون أن يظهروا حسن نواياهم، وتهذيب حججهم، سيسعى السيسي، بكل طاقته وبكل موارد البلد، إلى بناء "عاصمته" الجديدة، لأنه يدرك حاجته إلى إنجاز كبير، يتذكره به المصريون غير المذابح والمحاكمات وطق الحنك، يعتقد السيسي أن مشكلة مصر الأخطر تكمن في الإدارة فقط، وبالتالي، فإنها ستُحلّ لو اختار أقرب رجاله في الجيش، ليكونوا معاونيه، وقام بفِصال الشركات العربية والأجنبية، وأقنعها بهز مواعيد التسليم ومراعاته في شروط التشطيب "عشان خاطر ربنا"، مع أن مشكلة مصر الحقيقية، منذ حكمها السيسي، أنها أصبحت تبتعد بشكل مخيف عن روح العصر وسُنن التقدم، حيث لم يعد ممكنا في بلاد الله المتقدمة، أن يتحقق تغيير شامل، وهو أمر أبعد وأوسع من الانتعاش الاقتصادي، من دون وجود مجال سياسي قوي يراقب ويضغط ويحاسب، ومن دون إعلام حر مستقل يتيح المعلومات للناس، ويساعدهم على تأملها وتحليلها، ليشعر المواطن برقابته على أداء حكامه، أنه أصبح شريكاً في بناء بلده، فتصبح أحلامها العامة جزءاً من أحلامه الشخصية، ليعطيها كل جهده وعرقه، حين يدرك أنه لن يحصل منها على الفتات، في حين يحصل الحرامية وحُماتهم من الجنرالات على نصيب الأسد، وبذلك وحده سيمكن إصلاح المؤسسات المهترئة الفاسدة، التي تتحكم فيها عصابات مافيا، قابلة لإفشال مهمة نبي مُنزل، لينتهي به الحال نزيلاً بعنبر الأنبياء في مستشفى العباسية.
يدير السيسي ظهره لكل هذا، متصوراً أنه يمكن أن يصنع دولة متقدمة، بجلب "كام مائة مليار"، وتشغيلها في ظل مناخ باطش، يشبه المناخ السائد في الدول المانحة التي دعمته، متناسيا أن التقدم الشامل لا يمكن أن يتحقق بالشعبية المصنوعة عبر الأكاذيب الإعلامية، ولا بالبطش الذي لا يرقب في مصائر الناس وأرواحهم إلّا ولا ذمّة، وإلا لنجح في ذلك عبد الناصر، وقد كان أكثر شعبية ومهارة.
ما بُني على باطل سيقود حتما إلى باطل.

0 التعليقات:
Post a Comment