أثار مشروع قانون تجريم الاعتداءات على القوات المسلحة في تونس جدلا واسعا بين أطراف أمنية وعسكرية تؤيد المصادقة عليه من قبل مجلس نواب الشعب (البرلمان)، وبين أطراف حقوقية وسياسية وحتى نقابية أمنية ترفض سنّه بحجة أنه غير دستوري ويحدّ من الحريات.
ويتضمن مشروع هذا القانون 20 فصلا تهدف في مجملها إلى حماية أعوان الأمن والجيش وعائلاتهم من الاعتداءات التي تهدد سلامتهم وحياتهم، كما تهدف إلى تجريم الاعتداءات على المقرات والمنشآت والتجهيزات الموضوعة على ذمة تصرفهم أو رقابتهم وعلى أسرار الدولة.
وكانت حكومة الترويكا السابقة برئاسة القيادي بحركة النهضة الإسلامية علي العريض قد تقدمت في شهر يونيو 2013 إلى المجلس الوطني التأسيسي بهذا المشروع، غير أنه اصطدم بمعارضة كبيرة من قبل نواب المعارضة وعدة أحزاب ومنظمات حقوقية في البلاد.
غير أنّ تصاعد الهجمات الإرهابية مؤخرا من قبل جماعات متشددة تتحصن في الجبال على الحدود الغربية المحاذية للجزائر، إلى جانب الهجمات المسلحة داخل المدن وخاصة حادثة قتل السياح في هجوم باردو الأخير أعاد للواجهة طرح هذا القانون بحجة محاربة الإرهاب.
ويقول النقابي الأمني الصحبي الجويني لـ"مصر العربية" إن دوافع إعادة تمرير مشروع قانون زجر الاعتداءات على قوات الأمن والجيش تندرج ضمن رؤية قانونية شاملة تهدف إلى حماية أعوان الأمن والجيش وعائلاتهم في ظلّ تصاعد الاعتداءات وكذلك التهديدات بالقتل.
وأكد بأنّ المشروع الحالي تمّ تحسينه مقارنة بالمشروع السابق الذي تمّ طرحه في حكومة علي العريض، موضحا بأن النسخة المعدلة تمّ إعدادها بعد استشارة شخصيات وطنية بشكل يمكن من حماية الأمنيين والعسكريين دون الاعتداء على حقوق وحريات المواطنين.
واستغرب الجويني عضو الاتحاد الوطني لنقابات الأمن التونسي مما اعتبره "نفاقا سياسيا" لدى بعض الأطراف السياسية التي قال إنها باركت في فترة حكومة علي العريض تمرير مشروع القانون والذي أكد بأن نقابته رفضته لأنه كان بالفعل زجريا ويهدد الحريات العامة.
ويقول الجويني إن الادعاء بأن رجال الأمن يسعون لإعادة دولة البوليس والقمع أمر لا أساس له من الصحة، واعتبر أن اتهام رجال الأمن والجيش بالسعي للتضييق على الحريات في البلاد أمر مرفوض بدعوى أن الأمنيين لديهم مسؤولية كبرى لتكريس الأمن الجمهوري.
غير أن هذا الرأي لا تتفق معه حتى بعض النقابات الأمنية الأخرى. فقد أعربت النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي عن رفضها القاطع لتمرير مشروع هذا القانون بحجة أنه سيخلق قطيعة بين رجال الأمن والمواطنين لأنه يفتح الباب على مصرعيه لإعادة إنتاج دولة البوليس.
وفي حديث لمصر العربية قال الناطق باسم النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي شكري حمادة إنّ هذا القانون يمس بالحريات العامة والفردية وأنّ هناك ترسانة من القوانين الموجودة في التشريعات التونسية الحالية، التي تحجر الاعتداءات على الأمنيين والعسكريين.
وبالرغم من أنه يؤكد على تكثيف حماية الأمنيين والعسكريين في وقت تصاعد فيه الهجمات الإرهابية من قبل جماعات تكفيرية تصف رجال الأمن والجيش بالطاغوت، فإنه يؤكد بأن مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة غير دستوري ويجب التراجع عنه.
ويتطابق هذا الموقف مع مواقف عديد القوى السياسية والحقوقية التي عبرت عن رفضها التام لإطلاق يدّ الأمنيين والعسكريين تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وقد أشارت هذه الأطراف إلى إمكانية سحب هذا المشروع الذي قالت إنه يتعارض مع حرية التعبير وغيرها من الحريات.
ومن بين منظمات المجتمع المدني التي اعترضت على هذا القانون نقابة الصحفيين التونسيين حيث أكد رئيسها ناجي البغوري لـمصر العربية" بأن قانون استثنائي وغير دستوري يتيح تقييد حرية التعبير والصحافة تحت غطاء حماية أسرار الدولة وحماية الأمنيين والعسكريين.
أما عن الأطراف السياسية فقد أعربت مختلف القوى الحزبية في البلاد وعلى رأسهم حركة النهضة الإسلامية ثاني قوة برلمانية عن رفضها الصريح لتمرير هذا القانون بدعوى أنه يتعارض مع الحريات والمكاسب التي تضمنها دستور 2014 ويفتح الباب إلى دولة الاستبداد من جديد.
ففي خطاب شعبي له أمس الأحد قال رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أن كتلة حزبه البرلمانية لن تصادق على الفصول، التي تتعارض مع مبادئ الدستور . وأكد أنه سيتم حذف النقاط والفصول التي أثير حولها جدل كبير من مشروع القانون بشكل يحمي الحريات في البلاد.
ومن بين الفصول التي أثارت جدلا كبيرا في قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة الفصل الثالث الذي يتيح بشكل غريب امتيازات خاصة لأعوان الأمن والجيش وأفراد عائلاتهم على الرغم من أن الدستور التونسي نصص في فصله 21 على تساوي كل المواطنين دون تمييز.
وبينما ينصص الدستور التونسي في فصليه 22 و23 على حق الحياة إلا في الحياة القصوى التي يضبطها القانون، يمنح قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين والعسكريين في فصله 18 الحصانة القانونية للقوات المسلحة عند أصابتهم أو قتلهم مواطنين خلال أداء عملهم.
أما فيما يتعلق بإمكانية ضرب حرية التعبير والفكر والنشر والنفاذ إلى المعلومة التي يكفلها في الدستور في الكثير من فصوله فإن مشروع قانون زجر الاعتداءات الأمنية يغلق في عدد من فصوله الباب أمام النفاذ للمعلومات الأمنية والعسكرية بمنحها طابع السرية المطلقة.
وجاء في مشروع القانون سلسلة طويلة من العقوبات السجنية والمالية لكل من ينشر معطيات أمنية أو عسكرية دون تراخيص مسبقة، وهي إجراءات تتفق الكثير من الأطراف السياسية والحقوقية على أنها مرفوضة في تونس ما بعد الثورة التي حقق شعبها مكسب حرية التعبير.
مصر العربية
.jpg)
0 التعليقات:
Post a Comment