تقر مسودة الدستور، فى فصل السلطة التشريعية بباب السلطات العامة، لرئيس الجمهورية صلاحيتين تتناقضان بوضوح مع الجوهر الديمقراطى للفلسفة الرئاسية: 1) وضع موازنة القوات المسلحة بالتشاور مع مجلس الدفاع الوطنى وإدراجها رقماً واحداً فى مشروع الموازنة العامة المقدم للبرلمان، و2) حق حل مجلس النواب عند استمرار التنازع بينه وبين الرئيس بشأن تكليف رئيس الوزراء أو بعد موافقة الأغلبية على طلب الرئيس حل المجلس فى استفتاء

شعبى. ثم يبلغ توجه مسودة الدستور إلى إعطاء رئيس الجمهورية صلاحيات تتناقض مع الجوهر الديمقراطى نقطة «اللاعودة» فى فصل السلطة التنفيذية بباب السلطات العامة.

فتنص المادة 134 على أن «رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة وهو رئيس السلطة التنفيذية، يرعى مصالح الشعب، ويحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه، ويراعى الحدود بين السلطات». وقد تبدو هذه الصياغة اعتيادية للكثيرين، إلا أن إقرار الصلاحية المطاطية «مراعاة الحدود بين السلطات» لرئيس الجمهورية يكرس دستورياً لتدخله فى أعمال السلطات العامة ويضفى مجدداً شرعية دستورية على استمرار عصف الرئيس باستقلالية السلطتين التشريعية والقضائية الذى عانينا منه منذ 1954. ودوماً ما نصت دساتير الاستبداد الرئاسى فى مصر، وآخرها دستور 1971، على هذه الصلاحية المطاطية لرئيس الجمهورية وكثيراً ما وظفت لتبرير تغوله على السلطات العامة.

أما المادة 141 فتنص على تعيين رئيس الجمهورية خلال 60 يوماً من مباشرته مهام منصبه نائباً له أو أكثر وتحديد اختصاصاتهم. لا تعرف الفلسفة الرئاسية الديمقراطية منصب نائب رئيس الجمهورية إلا فى حالة واحدة هى انتخاب النائب كما ينتخب الرئيس، وتقر هنا اختصاصات وصلاحيات حقيقية للنائب المنتخب. أما حين لا ينص على انتخاب النائب، فيغيب هذا المنصب ويدير الرئيس اختصاصات وصلاحيات السلطة التنفيذية مع رئيس الوزراء

والحكومة. نائب الرئيس المعين هو منصب صنعه الاستبداد الرئاسى فى مصر كآلية غير ديمقراطية لإدارة تعاقب الرؤساء (خلافة النائب للرئيس بعد رحيل الأخير) وينتفى دوره باعتماد الانتخابات الدورية لاختيار الرئيس. نائب الرئيس المعين باختصاصات يحددها الرئيس هو منصب ديكورى لا شرعية ديمقراطية له (لغياب الانتخاب) ولا دور حقيقياً يبرر إنفاق المال العام على شاغله ومساعديه وهيئته الإدارية.

ثم تأتى المادة 152 التى تمكن الرئيس منفرداً من تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين للدولة وعزلهم، هكذا دون موافقة برلمانية تشترطها الكثير من النظم الرئاسية الديمقراطية (كالأرجنتين والبرازيل والولايات المتحدة وغيرها). وتعطى المادة 154 الرئيس، بعد موافقة الحكومة، صلاحية إعلان حالة الطوارئ ثم عرض الأمر خلال الأيام السبعة التالية على مجلس النواب (أو الشيوخ إن كان النواب منحلاً) للموافقة بأغلبية الأعضاء. هنا أيضاً، وعلى الرغم من أهمية السقف الزمنى المفروض بشأن إعلان حالة الطوارئ وهو عام (6 أشهر تجدد مرة واحدة) وعدم جواز مدها إلا بعد موافقة الشعب فى استفتاء عام، يحصل رئيس الجمهورية على صلاحية تقيدها بصورة أفضل بعض النظم الرئاسية الديمقراطية باشتراط الموافقة المسبقة وليس اللاحقة للبرلمان على إعلان حالة الطوارئ (باستثناء الطوارئ المرتبطة بالكوارث الطبيعية).

فإذا قمنا بإضافة هذه الشبكة الواسعة من الصلاحيات التنفيذية لرئيس الجمهورية إلى افتئاته مع مجلس الدفاع الوطنى على السيادة التشريعية والرقابية الكاملة للبرلمان بشأن موازنة وقوانين القوات المسلحة، وكذلك إلى حق حل البرلمان الممنوح له، سنكتشف مدى عمق الاستبداد الرئاسى الذى يؤسس له مجدداً فى دستور الجمعية التأسيسية ومع غياب شبه كامل لآليات الرقابة على الرئيس ومحاسبته.

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -