يصر بعض الكتاب والصحفيين المؤثرين فى توجهات الرأى العام المصرى على مقاربة المشهد السياسى الراهن باستدعاء مستمر للجيش وترويج لدوره كملاذ أخير لمواجهة خطر انهيار الدولة والفوضى. وكنت، منذ أيام قليلة، قد كتبت فى هذه الزاوية وتحت عنوان «بل أتبرأ منه تماماً» نقداً لتجديد استدعاء الجيش إلى السياسة، وطالبت «المدنيين» فى كافة القوى والأحزاب بالبحث عن مخارج «ديمقراطية» لنقطة اللاحكم ولخطر انهيار العملية السياسية. وأعود الآن، وفى مواجهة الترويج المستمر لخطاب الجيش كملاذ أخير وكذلك إزاء تنامى «الحملات الشعبية» لجمع توكيلات للجيش لإدارة شئون البلاد، للتحذير من خطورة الانزلاق إلى استدعاء الجيش وصياغة موقفى فى نقاط محددة:

1- مهمة الجيش المصرى اليوم، وهو مؤسسة وطنية وركن أساسى للدولة، هى حماية البلاد وأمنها دون التدخل فى إدارة الشأن العام والسياسى. وتنسحب ذات المهمة على قيام الجيش بحماية المؤسسات والمنشآت الحيوية (قناة السويس) والتأمين الاستثنائى للجبهة الداخلية (محافظات القناة).

2- تقترب مصر، وبعد أخطاء عديدة خلال العامين الماضيين، من نقطة اللاحكم ومن خطر انهيار العملية السياسية وفقدان شرعية إجراءاتها الديمقراطية كالانتخابات والسلطات التنفيذية (الرئاسة) والتشريعية (مجلس الشورى) المستندة إليها. ويتصاعد فى ذات الوقت منسوب العنف والصراع فى المجتمع وتتكرر انتهاكات حقوق الإنسان. وعلى الرغم من تورط نخب السياسة، وتورط «الإخوان المسلمين» هنا أعمق من غيرهم، فى دفع مصر لسلسلة متتالية من الأخطاء فى إدارة الانتقال الديمقراطى منذ 2011، فإن المجلس العسكرى ممثلاً للقوات المسلحة ارتكب الكثير من الخطايا وشهدت الفترة الممتدة من فبراير 2011 إلى يوليو 2012 انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.

3- على الرغم من مسئولية نخب السياسة عن نقطة اللاحكم الراهنة وفقدان شرعية الإجراءات الديمقراطية، تظل سبل خروج مصر من هذه الأزمة والمباعدة بينها وبين خطر انهيار الدولة والفوضى مرتبطة بنخب السياسة وقدرتها على إدارة الشأن العام على نحو يؤسس لقواعد دستورية وقانونية عادلة للسياسة ولتداول السلطة وللمشاركة الشعبية عبر الانتخابات ويحقق العدالة الاجتماعية. ولن تنجح نخب السياسة، حكماً ومعارضة، فى إخراج مصر من أزمتها دون اعتماد لمبدأ الشراكة الوطنية والبحث الجاد عن توافقات. وتظل مهمة الجيش المصرى هى حماية البلاد وأمنها والدفاع عن مؤسسات الدولة دون تدخل فى إدارة الشأن العام والسياسى.

4- مسئولية نخب السياسة، ومسئولية المواطنات والمواطنين عبر المشاركة الشعبية والانتخابات والإجراءات الديمقراطية، هى الوصول إلى شراكة وطنية حقيقية لإدارة الانتقال تضمن تداول السلطة وتحمى الحقوق والحريات وتحقق العدل الاجتماعى وتحفظ فرص الأجيال القادمة، وتنقذ وفوراً الدولة المصرية من خطر التفتت والانهيار أو الوقوع فى مصيدة سيطرة أيديولوجية أحادية (الأخونة). والوصول إلى الشراكة الوطنية هذه، وهى لا تنفى التدافع والتنافس بين نخب السياسة شريطة التزام السلمية، يرتبط عضوياً برشادة السياسيين فى الحكم والمعارضة وقدرتهم على الاختيار العقلانى بتقديم مصلحة الوطن على المصالح الضيقة.

5- الشراكة الوطنية، إذن، هى الملاذ الأخير لمصر وليس استدعاء الجيش إلى السياسة. ولا يرتب الترويج المباشر وغير المباشر لخطاب «الجيش كملاذ أخير» سوى الحد من فرص نجاح نخب السياسة فى الوصول إلى شراكة وطنية عبر نزع ما تبقى من ثقة شعبية فى النخب هذه وتقديم الجيش كبديل لها (وهنا يعاد إنتاج صورة المؤسسة الوطنية والمنظمة والقوية، ويتم تجاهل كافة خطايا المجلس العسكرى).

6- فى مراحل الانتقال والتحول الديمقراطى، يعد إخضاع الجيش، وكذلك المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، لرقابة السلطات المدنية المنتخبة ولرقابة القضاء المستقل أولوية كبرى. وفى مصر، التى يحد دستورها الجديد من صلاحيات البرلمان فى التشريع للجيش والرقابة على ميزانيته وأنشطته

الاقتصادية، لا يزال أمامنا الكثير من العمل للوصول إلى اعتماد مبدأ الرقابة الديمقراطية الكاملة على الجيش. هنا أيضاً، يرتب الترويج لخطاب «الجيش كملاذ أخير» دفع مصر وحياتها السياسية بعيداً جداً عن الرقابة على الجيش. فكيف لمن يستدعى كملاذ أخير أن يخضع للرقابة الديمقراطية وسيادة القانون؟

أرجوكم، وبغض النظر عن نواياكم، توقفوا عن تجديد استدعاء الجيش إلى السياسة والترويج له كملاذ أخير. فأنتم بهذا لا تساعدون مصر على تجاوز نقطة اللاحكم وخطر انهيار العملية السياسية، ولا أنتم تدركون الواقع المرعب لتفتت الدولة ولسيناريو الفوضى الذى لن يستطيع لا الجيش ولا غيره من المؤسسات إنقاذ مصر من طاقته التدميرية.

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -