اجتماع السيسى ووزير الخزانة الأمريكى جاك ليو

" عودة الدولة المصرية مرهونة بالاقتصاد،" عنوان اختاره الباحث الأمريكى الشهير ستيفن كوك، خبير شئون الشرق الأوسط فى مجلس العلاقات الخارجية، لمقالته التى نشرها الموقع الإلكترونى للمجلس، والتى استهلها بتسليط الضوء على الزيارة التى قام بها جاك ليو، وزير الخزانة الأمريكية للقاهرة الاثنين الماضى، قائلا إنها لم تلق المتابعة والاهتمام المناسبين.

وقال كوك إن السبب فى هذا ربما يكون هو الحادث الإرهابى المروع الذى حصد أرواح ما لا يقل عن 31 جنديا مصريا فى سيناء يوم الجمعة الماضى، مضيفا أن زيارة ليو لم تتناول مطلقا أى ملفات ساخنة مطروحة على أجندة العلاقات الأمريكية – المصرية (حقوق الإنسان، المساعدات العسكرية والاقتصادية، حرية الصحافة)، ومكافحة الإرهاب، ولكنها ركزت على المحور الاقتصادى فى البلاد.

وذكر كوك أن واشنطن والقاهرة من الممكن أن تتفق على الأقل على القضايا الاقتصادية وحلولها، مردفا أن العمل مع دول أخرى لمساعدتها على التنمية الاقتصادية هى فكرة جيدة، بالطبع، لكن "ما يثير تساؤلى هو إذا ما كان المسئولون الأمريكيون والمصريون لديهم أفكار مختلفة جدا حول المدخل الصحيح إلى المشكلات الاقتصادية فى مصر، فلا عجب إذن إذا أصبح الاقتصاد نقطة ضعف أخرى، أو إذا ما غض صناع القرار فى مصر الطرف عن أى نصيحة تسديها إليهم واشنطن."

وأشار الباحث إلى أنه لا ينبغى أن يندهش أى شخص منتبه من أن المصريين لا يفضلون النمو الاقتصادى الشامل الذى يقوده القطاع الخاص، وكذا حزمة الإصلاحات الاقتصادية غير الليبرالية التى تراها الولايات المتحدة وسوق النقد الدولى ضرورية لتحفيز النمو.

واستطرد بأن سياسة الانفتاح التى تبناها الرئيس الراحل أنور السادات قد خلقت اقتصادا تجاريا دون مؤسسات اقتصاد السوق، مردفا أنه عندما شرع فى تنفيذ إصلاح الدعم بناء على توصيات من صندوق النقد الدولى فيما يتعلق بالسلع الغذائية الأساسية فى العام 1977، خرجت المظاهرات الحاشدة، ما اضطره إلى العدول عن قراراته.

ولفت إلى أن الرئيس المخلوع حسنى مبارك لم ينصت إلى الاستشارات الاقتصادية الأمريكية حتى أوائل التسعينيات من القرن الماضى، قبل الإذعان والسعى لتنفيذ إصلاحات صندوق النقد الدولى لمدة ستة شهور قبل أن تسوء الأوضاع السياسية.

وفى العام 2003، عندما نجح جمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع ( وعدد من الاستشاريين الآخرين) فى إقناع والده بتعويم سعر الصرف. وفى العام التالى، والكلام لا يزال لـ"كوك"، عين مبارك ما كان يسمى حينها " فريق الأحلام" الاقتصادى الذى كان يتألف من أحمد نظيف، محمود محيى الدين، رشيد محمد رشيد، ويوسف بطرس غالى، كى يقودوا دفة الإصلاحات الاقتصادية غير الليبرالية.

وكانت نتيجة ذلك أداء اقتصاديا ملموسا، لكنه جاء على حساب فقر الكثير من المصريين، إذ ازدادت الرأسمالية المتوحشة، وتصاعد نفوذ رجال الأعمال المرضى عنهم سياسيا الذين كان معظمهم أعضاء فى الحزب الوطنى، الذى كان يتولى جمال مبارك حينها منصب أمين السياسات به فى هذه الفترة القصيرة.

وبالنسبة للرئيس عبدالفتاح السيسى ومستشاريه الذين ينتمى معظمهم إلى المؤسسة العسكرية، كانت آخر فترة من حكم مبارك تمثل تشويها للنظام السياسى والاقتصادى الذى كان سائدا فى الخمسة العقود السابقة، والآن يعود السيسى إلى النظام الاقتصادى الذى كان قائما إبان حكم مبارك.

وفسر الباحث وجهة نظره تلك بأنه من الصحيح القول إن السيسى قد نفذ إصلاحات تتعلق بسياسة الدعم، ولا سيما فى قطاع الطاقة، فكان ثمة ارتفاع فى أسعار سلع بعينها، ونشطت عمليات التداول فى البورصة على خلفية زيادة ثقة المستثمرين، لكن الصورة الإجمالية تشير إلى العودة ثانية إلى السياسة الاقتصادية الموجهة نحو الدولة. وها هى الأسباب:

- كما كتبت أنا فى الماضى، فإن تطبيق إصلاحات صندوق النقد الدولى عملية صعبة من الناحية السياسية بدرجة أكبر منها اقتصاديا بالنسبة لرؤساء مصر، ويبدو أنه بالنسبة للكثير من المصريين، يبدو الصندوق إهانة لمشاعرهم الوطنية، إذ يذكرهم بلجنة الديون البريطانية والفرنسية فى القرن التاسع عشر التى ساعدت على زيادة تدخل قوى أوروبية فى الشأن المصرى، ومن ثم، فلا ينبغى على أحد أن يتوقع أن يوقع المصريون فى النهاية على اتفاقية مع صندوق النقد فى المستقبل القريب، ما لم يكن ذلك مسألة حتمية بالطبع لإنقاذ الاقتصاد.

- يتواجد الدعم ليس فقط كجزء من شبكة أمان اجتماعى، ولكن أيضا كوسيلة للسيطرة السياسية، ونتيجة لذلك، فإنه بموجب الظروف السياسية الراهنة، يمكن أن يستمر إصلاح الدعم فقط.

- المساعدات المالية التى حصلت عليها مصر من بعض البلدان الخليجية - السعودية، الإمارات والكويت - والبالغ قيمتها 20 مليار دولار منذ يوليو 2013 قد أسهمت فى إعادة تعويم الاقتصاد المصرى، وإن خلقت شعورا بالاستقرار الاقتصادى. ومن غير المرجح أن تقطع تلك البلدان أو حتى تقلل من مساعداتها لمصر لضمان استقرار النظام السياسى بها، وخشية من عودة جماعة الإخوان المسلمين مرة أخرى إلى تصدر المشهد السياسى.

- أنصار الرئيس السيسى يشيدون بسلسلة المشروعات العملاقة التى كشف عنها النقاب فى هذا الصيف، من بينها تنمية مشروع محور قناة السويس وإعادة إحياء مشروع وادى النيل الجديد (توشكى) الذى فشل فى بداية الألفية الحالية، ولكن يتعين على هؤلاء أن يدركوا أنه لا يوجد سبب منطقى يدفعهم إلى الاعتقاد بأن توسيع قناة سوف يضاعف من حركة النقل والإيرادات، كما تتوقع القاهرة. وبالمثل، لا يوجد سبب منطقى لأن يعتقدوا أن توشكى سوف يحقق نجاحا تلك المرة.

ورأى ستيفن كوك أنه بالتفكير مليا فى تلك العوامل مجتمعة، نجد أن القيادة المصرية مستمرة فى التركيز على ما كانت الحكومات السابقة تعتقد أنه هو الأكثر الأهمية.. الاستقرار. وكما تعلم مبارك من دروس الإصلاحات من أحداث الشغب التى اندلعت فى 1977، تعلم السيسى من دروس الإصلاحات الاقتصادية فى أواخر حكم مبارك، وقرر أن يعيد مصر إلى مكان تحتل فيه المسألة الاقتصادية مرتبة ثانية بعد الأهداف السياسية والاجتماعية للبلاد.


مصر العربية.

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -