ها هى نقاشاتنا عن المناصب التنفيذية وهوية شاغليها ووجهة التغييرات القادمة تعود إلى سابق عهدها، نقاشات حول أسماء المرشحين وتقارير الأجهزة الرقابية والتخمينات المتضاربة بشأن موعد التعديلات الوزارية أو الإعلان عن حركة المحافظين وأخيرا النسب المتوقعة لتمثيل الأقباط والنساء.

لا نقاش حقيقيا عن الرؤية والخطط والبرامج المراد تطبيقها، لا جدال موضوعيا وتعدديا عن صلاحيات واختصاصات أطراف السلطة التنفيذية وطبيعة العلاقات بين رأسها وبين الوزراء والمحافظين، لا إشارات ولو عابرة إلى التداعيات السلبية لتضخم بيروقراطية المؤسسات والأجهزة العامة أو للمركزية الطاغية لعمليات صناعة واتخاذ القرار داخل السلطة التنفيذية وهيمنة المكون العسكرى-الأمنى عليها وتهميش مؤسسات وأجهزة أخرى يباعد بينها وبين الاضطلاع بأدوارها الطبيعية.

فى اختزال نقاشاتنا بشأن التعديلات الوزارية وحركة المحافظين إلى «أسماء وتقارير وتخمينات» دليل واضح على أن أولويات كتقليص حجم البيروقراطية، واعتماد مبادئ اللامركزية، وتمكين المحافظات من استقلالية معتبرة إزاء مركز السلطة التنفيذية فى القاهرة شوهت فى أذهان الكثير من المصريات والمصريين عبر الربط الظالم وغير الموضوعى بينها وبين إضعاف الدولة وتهديد تماسك مؤسساتها وأجهزتها ونشر الفوضى. بينما الحقيقة هى أن اللامركزية والاستقلالية وممارسة تمكين المحافظات تساعد، حين تدار بجدية، على منعة وتماسك الدولة ولها أن تخرج بمصر من أزمة محدودية فاعلية المؤسسات والأجهزة العامة.

كذلك يدلل على تهميش المحتوى الديمقراطى فى نقاشاتنا بشأن التعديلات الوزارية وحركة المحافظين حقيقة أن تستبعد منها أطروحات كمنح الوزراء صلاحيات تنفيذية واسعة فى مجالاتهم، وإخضاعهم لإجراءات فعالة للرقابة القضائية والشعبية، وانتخاب شاغلى منصب المحافظ لإخراجهم من إطار التبعية الكاملة لرأس السلطة التنفيذية وللمركز فى القاهرة، وإقرار دور نوعى للمحافظات فى إقرار موازناتها، وفى تفعيل التواصل بين إدارات المحافظات وبين أهلها وفى التأسيس للرقابة الشعبية على المحافظين المنتخبين.

ها نحن، إذن، نعيد إنتاج مكونات وسمات نقاشات ما قبل 2011 بشأن التعديلات الوزارية وحركة المحافظين، ونتنكر للطلب الشعبى على الديمقراطية والتحول الديمقراطى باستبعاد قضايا اللامركزية وانتخاب المحافظين ودور المحافظات فى إقرار موازناتها.

ها نحن، إذن، ندفع بمصر إلى الوراء بتغييب مشاركة الناس فى اختيار وتقييم وتغيير الوزراء والمحافظين وفى تفعيل إجراءات الرقابة القضائية والشعبية عليهم، ونتنكر بذلك أيضا للرغبة الحقيقية فى الاهتمام بالشأن العام والمشاركة فى صناعة القرارات العامة التى عبرت عنها فى 2011 قطاعات شعبية واسعة.

ها نحن، إذن، نواصل إماتة السياسة ونزع مضامينها الفعلية كممارسة حرة وتعددية وتوافقية عن مجمل نقاشاتنا ونختزل الشأن العام وصناعة القرار العام فى سيطرة مركز السلطة التنفيذية فى القاهرة وهيمنة المكون العسكرى ــ الأمنى واستتباع كافة المؤسسات والأجهزة الأخرى، ونتنكر بذلك للمرة الثالثة للبحث الشعبى عن تغيير ديمقراطى المضامين فى بنية الدولة المصرية ومشاركة للمواطن وللمجتمع فى عمليات صناعة القرار داخل الدولة على نحو يكسبها المنعة والتماسك ولا يخصم منهما أبدا.

ها نحن، إذن، نجدد دماء السلطوية دون اعتبار للتداعيات السلبية على المواطن والمجتمع والدولة التى ليس للسلطوية أن ترسخها، ودون اعتبار لخبرة العقود الماضية فى مصر التى لم تخرج أبدا عن نطاق سلبيات السلطوية المتراكمة، ونتنكر بذلك رابعا لبدايات إدراك الرأى العام لكون الديمقراطية والتحول الديمقراطى هما جوهر تجاوزنا لأزمات تراكم المظالم والتنمية المستدامة وانتهاكات الحقوق والحريات وغياب العدالة الاجتماعية وتراجع السلم الأهلى وهما أيضا جوهر تحديث الدولة الوطنية والحفاظ عليها فى بيئة داخلية صعبة وبيئة إقليمية متفجرة.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -