المصرى اليوم

أحيل اليوم الصحفي المصري أحمد أبو دراع للمحاكمة العسكرية بتهمة إذاعة أخبار وبيانات كاذبة في الخارج حول الأوضاع الداخلية للبلاد ونتائج أعمال القوات المسلحة بسيناء، وهي الإحالة التي تأتي عقب أيام من إصدار أحكام عسكرية في 3 سبتمبر الجاري ضد 52 شخصًا، منها حكمًا بالمؤبد وثلاثة أحكام بالسجن 15 عامًا، فيما تراوحت باقي الأحكام بين 5و10
أعوام، وهي التطورات التي تثير الإشكالية المتجددة بشأن محاكمة المدنيين في مصر أمام محاكم عسكرية.

ويتيح القانون في مصر هذا النوع من المحاكمات وفق قانون المحاكم العسكرية الصادر في 1 يونيو 1966 ولازال معمول به حتى الآن، وهو القانون الذي تنص مادته 48 على إن السلطات القضائية العسكرية هي وحدها التى تقرر ما إذا كان الجرم داخلاً في اختصاصها أم لا، ما يعني عدم إمكانية القول بعدم اختصاصها في موضوع أي قضية مهما كان موضوعها أو مرتكبها، كما تحدد المادة الخامسة النطاق المكاني للجرائم التي تحت طائلته في أي جريمة ترتكب بأي مكان يشغله العسكريون لصالح القوات المسلحة أينما وجد، بما في ذلك المحلات والمؤسسات و"الأماكن"، وهو نطاق واسع للغاية حتمًا سيتواجد به مدنيون. ولم يستثني القانون الأحداث اللذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا من أحكامه، إذ تنص المادة الثامنة من القانون على خضوع الأحداث لأحكامه أيضًا.

ولعل تلك الأحكام تخالف المباديء الدولية التي تحث على عرض الأشخاص المدنيين أمام المحاكم الطبيعية، إذ ينص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته 14 على حق كل فرد في أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون، وهو ما يعني محاكمة الأفراد أمام محاكم طبيعية وليست استثنائية كالقضاء العسكري. كما تنص الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في الفقرة الأولى من مادتها رقم (1) على أنه لا يجوز محاكمة كل شخص ملاحق لارتكابه جريمة اختفاء قسري إلا في محاكمة عادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة تنشأ وفقًا للقانون، أي إن القانون الدولي حرص على منع محاكمة أي شخص أمام قضاء استثنائي حتى مرتكبي الجرائم.

وقد عرفت مصر المحاكمات العسكرية للمدنيين منذ زمن جمال عبد الناصر حيث كان لجماعة الإخوان المسلمين نصيبا كبيرا منها بدأت مع تعرض عبدالناصر لحادث إطلاق ناري في المنشية بمحافظة الإسكندرية، واتهم فيه أعضاء الجماعة، وتم تقديمهم لمحاكمة عسكرية، وصدرت أحكامًا بالإعدام على 7 منهم بالإضافة إلى آخرين صدر بضدهم أحكاما بالسجن المؤبد.

وتوالت المحاكمات العسكرية للجماعة حيث ظهرت القضية الأشهر في تاريخ الجماعة والتي عرفت بقضية تنظيم 65 حيث تم توجيه التهم لعدد كبير من أعضاء الإخوان بمحاولة تغيير شكل الدولة وهويتها من خلال تكوين تنظيم سري تحت اسم جماعة الإخوان المسلمين الصادر بحقها حكمًا بالحل في 1954، وعلى إثر تلك القضية تم إعدام 7 أعضاء من الجماعة على رأسهم سيد قطب والسجن المؤبد لـ 26 فردا وأحكام أخرى على عدد كبير تراوحت مابين 7 إلى 15 سنة. وفي عهد مبارك، وتعرض الإخوان في عهد مبارك إلى 7 محاكمات عسكرية وكان أشهر متهموها خيرت الشاطر وعصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح وحسن مالك ومحمد مهدي عاكف.

وعقب الثورة، وبعد تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد، زادت المحاكمات العسكرية للمدنيين، حتى أنه في الثمانية شهور الأولى فقط تم محاكمة أكثر من 12 ألف مدنيًا أي أكثر من إجمالي عدد المدنيين الذين تمت محاكمتهم عسكرياً في عهد مبارك، وفقًا لمنظمة هيومان رايتس ووتش، بل ولوح المجلس العسكري في أكثر من مرة أنه يملك محاكمة المدنيين عسكريا وفق قانون الأحكام العسكرية الذي يسمح بذلك، حتى أن رئيس جهاز الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة آنذاك، قال "إن القضايا التي تؤثر على أمن القوات المسلحة أو أمن البلاد، مثل البلطجة وأعمال النهب أو تدمير الممتلكات والسرقة، خاصة لو كان أحد أطرافها عسكريًا، تتم إحالتها إلى المحاكم العسكرية التي تفصل فيها فورًا".

وخلال تلك الفترة، تم تدشين مجموعة "لا للمحاكمات العسكرية" التي دافعت عن حق المدنيين في محاكمة عادلة أمام قضاء مدني، مع المطالبة بحظر المحاكمات العسكرية للمدنيين، وقامت المجموعة بالدفاع عن جميع المدنيين المحاكمين أمام محاكم عسكرية وظلت تحاول كسب انتباه الرأي العام المصري تجاه تلك القضايا وهذا ما ظهر جليا في قضايا إحالة العديد من النشطاء للمحاكم العسكرية كعلاء عبد الفتاح وأسماء محفوظ ومايكل منير ونوارة نجم وعمرو البحيري وغيرهم من الآلاف اللذين لم يتم تسليط الضوء عليهم. وتقول منظمة هيومان رايتس ووتش "أثناء فترة الحكم العسكري بالأساس، كان اشتراك العسكريين في أعمال إنفاذ القانون مصحوباً بانتهاكات جسيمة، بما فيها استخدام القوة المفرطة، والتعذيب، والاعتداء البدني".

وفي عام 2012، وبعد انتخاب البرلمان المصري الذي غلب عليه تيار الإسلام السياسي وبخاصة جماعة الإخوان المسلمين، الضحايا الأبرز للمحاكم العسكرية في عهد مبارك، طالب البعض بتعديل قانون المحاكم العسكرية كي يحظر إحالة المدنيين لتك المحاكم، إلا أن تلك المطالبات باءت بالفشل، إذ إن تعديل قانون المحاكم العسكرية في مايو 2012 لم يضع حدا للمحاكمات العسكرية للمدنيين واقتصر على تعديل المادة 7 الخاصة بسلطة رئيس الجمهورية في الإحالة للمحاكم العسكرية حيث قلصت التعديلات صلاحياته في هذا الشأن، دون الحظر التام لتلك المحاكمات أو على الأقل استثناء الأطفال منها.

وفي تعقيب دولي على تلك التعديلات المخيبة للآمال، قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، "من الصادم أن هذا البرلمان المنتخب أخفق في اتخاذ خطوة أساسية نحو حماية المدنيين المصريين من نظام عدالة عسكرية غير عادل بطبيعته. إخفاق البرلمان في وقف انتهاك جسيم من الحكومة العسكرية يُعد خيانة للوعود الانتخابية بتوفير العدالة للمصريين جميعًا".

ومع تشكيل الجمعية التأسيسية لإعداد دستور 2012، والتي غلب على تشكيلها تيار الإسلام السياسي، المتضرر الأول في العهود السابقة من المحاكمات العسكرية، تصور البعض أن الأمر سيكون مختلفا إلا إن الدستور جاء مخيبا للآمال بشكل أثار حفيظة عدد كبير من المهتمين بالدفاع عن حقوق المدنيين، حيث أقر في مادته رقم 198 منه جواز محاكمة المدنيين عسكريا في "الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة، ويحدد القانون تلك الجرائم"، أي إنه لم يبق فقط على المحاكمات وإنما ترك تنظيم اختصاصها للقانون المصاب بالعوار أصلاً.

وبالرغم من وعود الرئيس السابق محمد مرسي أنه سيقوم بالإفراج عن المحاكمين عسكريًا، وقيامه بالفعل بتشكيل لجنة لفحص بيانات المحاكمين عسكريًا من المدنيين إلا أنه بعد أن أوصت اللجنة بالعفو عن بعض من ضحايا المحاكمات العسكرية على ثلاث مراحل، أقرت في تقريرها الأخير أنه لا يزال هناك 1101 مدني محاكم عسكريًا في السجون، كما أضيف في عهده لتلك الحصيلة إحالة 25 مدنيا من أهالي جزيرة القرصاية إلى محكمة عسكرية، بالإضافة إلى عدد من المواطنين بعد منح الرئيس المعزول الضبطية القضائية لأفراد الجيش في فترة الاستفتاء على الدستور.

وبعد 30 يونيو عادت قضايا المحاكمات العسكرية من جديد لتطل بوجهها القبيح، إذ بالرغم من حديث المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية المؤقت عن أنه لا يوجد شخص في مصر الآن يحاكم أمام محكمة عسكرية، لا زالت الأحكام العسكرية ضد المدنيين مستمرة بإحالة أبو دراع لمحاكمة عسكرية تبدأ أولى جلساتها يوم 15 سبتمبر الجاري، عقب صدور أحكام عسكرية وصلت للمؤبد في وقت مبكر من هذا الشهر.

كما تجاهلت لجنة العشرة لتعديل الدستور المعطل مطالب إلغاء المحاكمات العسكرية ضد المدنيين، وكذلك الملاحظات التي تضمنتها مذكرة مجموعة لا للمحاكمات العسكرية والتي تم تسليمها للجنة في إنذار رسمي، إلا أن مسودة التعديل التي تم تسليمها للجنة الخمسين أبقت على النص الخاص بجواز محاكمة المدنيين عسكريًا بعد تعديل إحالتهم لتلك المحاكم في "الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة" إلى "الجرائم التي تُمثل اعتداءا مباشراً على القوات المسلحة".

لقد ظلت هتافات "الثوار مش بلطجية ..ليه نتحاكم عسكرية".. "قلنا عيش كرامة حرية..عملوا محاكم عسكرية".. تملأ أركان الشوارع منذ ثورة يناير، تلك الهتافات التي رددها يومًا شباب الثورة في وجه الجيش والإخوان، ويرددها الآن الإخوان في وجه الجيش والنظام.. وقد فشلت لجنة العشرة في الاستجابة لتلك المطالب، ليظل الأمل عالقًا في لجنة الخمسين وقدرتها على التصدي لتلك المحاكمات، وإقرار نص دستوري يحظر محاكمة المدنيين إلا أمام محاكم طبيعية عادلة، من أجل بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

0 التعليقات:

Post a Comment

 
الحصاد © 2013. All Rights Reserved. Powered by Blogger Template Created by Ezzeldin-Ahmed -